الرابعة: هذه الآية تردّ ما روي عن عائشة رضي الله عنها ، قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"احْرِمُوا أنفسكم طَيّب الطعام فإنما قوى الشيطان أن يجري في العروق منها"وبه يستدلّ كثير من الصُّوفية في ترك أكل الطيبات ، ولا أصل له ؛ لأن القرآن يردّه ، والسنة الثابتة بخلافه ، على ما تقرّر في غير موضع.
وقد حكى أبو حامد الطُّوسِيّ قال: كان سهل يقتات ورق النّبْق مدة ، وأكل دُقاق ورق التين ثلاث سنين.
وذكر إبراهيم بن البنا قال: صحبت ذا النُّون من إخميم إلى الإسكندرية ، فلما كان وقت إفطاره أخرجت قرصا ومِلْحاً كان معي ، وقلت: هَلُمّ.
فقال لي: ملحك مدقوق؟ قلت نعم.
قال: لست تُفلح! فنظرت إلى مِزْوَده وإذا فيه قليل سَوِيقِ شعير يَسْتَف منه.
وقال أبو يزيد: ما أكلت شيئاً مما يأكله بنو آدم أربعين سنة.
قال علماؤنا: وهذا مما لا يجوز حمل النفس عليه ؛ لأن الله تعالى أكرم الآدميّ بالحنطة وجعل قشورها لبهائمهم ، فلا يصح مزاحمة الدواب في أكل التبن ، وأما سَويق الشعير فإنه يورث القُولَنْج ، وإذا اقتصر الإنسان على خبز الشعير والملح الجَريش فإنه ينحرف مِزاجه ؛ لأن خبز الشعير بارد مجفف ، والملح يابس قابض يضر الدّماغ والبصر.
وإذا مالت النفس إلى ما يصلحها فمُنعت فقد قووِمت حكمة البارئ سبحانه بردّها ، ثم يؤثر ذلك في البدن ، فكان هذا الفعل مخالفاً للشرع والعقل.
ومعلوم أن البدن مطيّة الآدميّ ، ومتى لم يرْفَق بالمطيّة لم تُبَلِّغ.
وروي عن إبراهيم بن أدهم أنه اشترى زبدا وعسلاً وخبز حُوّارَى ، فقيل له: هذا كله؟ فقال: إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال ، وإذا عدِمنا صَبَرنا صبر الرجال.
وكان الثوري يأكل اللحم والعنب والفالوذج ثم يقوم إلى الصلاة.
ومثل هذا عن السلف كثير.
وقد تقدم منه ما يكفي في المائدة والأعراف وغيرهما.