بصيغة المضارع ؛ ليدل على أن تسبيح الله ليس في الماضي ، بل ومستمر في المستقبل لا ينقطع. إذن: ما دام التسبيح والتنزيه ثابتاً لله تعالى قبل أن يخلق مَنْ يُنزِّهه ، وثابتاً لله من جميع مخلوقاته في السماوات والأرض ، فلا تكُنْ أيها الإنسان نشازاً في منظومة الكون ، ولا تخرج عن هذا النشيد الكوني: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1]
وقوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ..} [الإسراء: 44]
أي: ما من شيء ، كل ما يُقال له شيء. والشيء هو جنس الأجناس ، فالمعنى أن كل ما في الوجود يُسبِّح بحمده تعالى.
وقد وقف العلماء أمام هذه الآية ، وقالوا: أي تسبيح دلالة على عظمة التكوين ، وهندسة البناء ، وحكمة الخلق ، وهذا يلفتنا إلى أن الله تعالى مُنزَّه ومُتعَالٍ وقادر ، ولكنهم فهموا التسبيح على أنه تسبيح دلالة فقط ؛ لأنهم لم يسمعوا هذا التسبيح ولم يفهموه.
وقد أخرجنا الحق سبحانه وتعالى من هذه المسألة بقوله: وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.. { [الإسراء: 44]
إذن: يوجد تسبيح دلالة فعلاً ، لكنه ليس هو المقصود ، المقصود هنا التسبيح الحقيقي كُلّ بِلُغتِه.
فقوله تعالى: وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.. { [الإسراء: 44]
يدل على أنه تسبيح فوق تسبيح الدلالة الذين آمن بمقتضاه المؤمنون ، إنه تسبيح حقيقيّ ذاتيّ ينشأ بلغة كل جنس من الأجناس ، وإذا كنا لا نفقه هذا التسبيح ، فقد قال تعالى: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ..} [النور: 41]
إذن: كل شيء في الوجود عَلِم كيف يُصلّي لله ، وكيف يُسبِّح لله ، وفي القرآن آياتٌ تدل بمقالها ورمزيتها على أن كل عَالَم في الوجود له لغة يتفاهم بها في ذاته ، وقد يتسامى الجنس الأعلى ليفهم عن الجنس الأدنى لُغته ، فكيف نستبعد وجود هذه اللغة لمجرد أننا لا نفهمها؟