وها هم الناس أنفسهم ولهم في الأداء القوليّ لغة يتفاهمون بها ، ومع ذلك تختلف بينهم اللغات ، ولا يفهم بعضهم بعضاً ، فإذا ما تكلم الإنجليزي - مع أنه يتكلم بألفاظ العربي - ومع ذلك لا يفهمه ؛ لأنه ما تعلَّم هذه اللغة.
واللغة ظاهرة اجتماعية ، بمعنى أن الإنسان يحتاج للغة ؛ لأنه في مجتمع يريد أن يتفاهم معه ليعطيه ما عنده من أفكار ، ويسمع ما عنده من أفكار فلا بُدَّ من اللغة لنقل هذه الأفكار ، ولو أن الإنسان وحده ما كان في حاجة إلى لغة ؛ لأنه سيفعل ما يخطر بباله وتنتهي المسألة.
واللغة لا ترتبط بالدم أو الجنس أو البيئة ؛ لأنك لو أتيتَ بطفل إنجليزي مثلاً ، ووضعتَه في بيئة عربية سيتكلم العربية ؛ لأن اللغة ظاهرة اجتماعية تعتمد على السمع والمحاكاة ؛ لذلك إذا لم تسمع الأذن لا تستطيع أن تتكلم ، ومن ذلك قوله تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ..} [البقرة: 18]
فهم بُكْم لا يتكلمون ؛ لأنهم صُمٌّ لم يسمعوا شيئاً ، فإذا لم يسمع الإنسان اللفظ لا يستطيع أن يتحدثَ به ؛ لأن ما تسمعه الأذن يحكيه اللسان.
إذن: بالسماع انتقلتْ اللغة ، وكُلٌّ سمع من أبيه ، ومن البيئة التي يعيش فيها ، فإذا ما سلسلْتَ هذه المسألة ستصل إلى آدم - عليه السلام - وهنا يأتي السؤال: وممَّنْ سمع آدم اللغة التي تكلم بها؟
وقد حلَّ لنا القرآن الكريم هذه القضية في قوله تعالى: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ الأَسْمَآءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31]
وأكثر من ذلك ، فقد يتكلم العربي بنفس لغتك ولا تفهم عنه ما يقول ، واللغة هي اللغة ، كما حدث مع أبي علقمة النحوي ، وكان يتقعَّر في كلامه ويأتي بألفاظ شاذة غير مشتهرة ، وقد أتعب بذلك مَنْ حوله ، وخاصة غلامه الذي ضاق به ذَرْعاً لكثرة ما سمع منه من هذا التقعر.
ويُروَي أنه في ذات ليلة قال أبو علقمة لغلامه: (أَصَقَعَتِ العَتَارِيفُ) ؟ فردَّ عليه الغلام قائلاً: (زقْفَيْلَم) .