فهؤلاء الذين تعتبرونهم آلهة وتتخذونهم شركاء لله ، هؤلاء أيضاً عبيد لله ، يتقربون إليه ويتوسَّلون إليه ، فالمسيح الذي أشركتموه مع الله ، وكذلك الملائكة هم عباد لله: {لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} [النساء: 172]
هؤلاء لا يرفضون ولا يتأبَّوْن أن يكونوا عباداً لله ، ويريدون التقرُّب إليه سبحانه ، فكيف - إذن - تتوجهون إليهم بالعبادة وهم عباد؟
وقوله تعالى: {يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ..} [الإسراء: 57] أي: يطلبون الغاية والقربى إليه تعالى {أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} أي: كلما تقر ّب واحد منهم إلى الله ابتغى اللهَ أكثرَ من غيره وأقبل عليه ، فإذا كان الأقرب إلى الله منهم يبتغي القُرْبى ، فما بال الأبعد؟
وقوله تعالى: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً} [الإسراء: 57]
أي: يجب الحذر منه وتجنُّب أسبابه ؛ لأن العذاب إذا كان من الله فلا فِكاكَ منه ولا مهرب ، وأيضاً فالعذاب يتناسب مع قدرة المعذِّب ضعفاً وشدة ، فإذا نُسِب العذاب إلى الله فلا شكَّ أنه أليم شديد ، لا طاقة لأحد به ، كما قال تعالى: {إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102]
والحق سبحانه قد أوضح لنا مسألة الوحدانية في آيات كثيرة ، ولم يطلب منا الاعتراف بها إلا بعد أنْ شهد بها لنفسه سبحانه ، وبعد أن شهد بها الملائكة وأولو العلم ، قال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَاهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ} [آل عمران: 18]
فشهد الله سبحانه شهادة الذات للذات ، وشهدتْ الملائكة شهادة المشهد والمعاينة ، وشهد أولو العلم شهادة الاستدلال ، فهذه شهادات ثلاث قبل أنْ يطلب مِنّا الشهادة.