وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه ، رضي الله عنهم ، إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة ، فيمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: ( صبراً آل ياسر ، موعدكم الجنة ) فأما أمه فقتلوها وهي تأبى إلا الإسلام .
قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم ؟ قال: نعم . والله ! إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه ، حتى ما يقدر على أن يستوي جالساً من شدة الضرب الذي نزل به ، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة . حتى يقولوا له: اللات والعزى إلهك من دون الله ؟ فيقول: نعم . حتى إن الجُعَل ليمر بهم فيقولون له: هذا الجُعل إلهك من دون الله ؟ فيقول: نعم ؛ افتداء منهم ، مما يبلغون من جَهدْه .
وقد ذكر ابن هشام في"السيرة"في بحث"عدوان المشركين على المستضعفين ممن أسلم بالأذى والفتنة"غرائب في هذا الباب ، فانظره .
قال ابن كثير: ولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن يوالي ؛ إبقاء لمهجته . ويجوز له أن يأبى ، كما كان بلال رضي الله عنه يأبى عليهم ، وهو يفعلون به الأفاعيل ، وهو يقول: أحدٌ ، أحدٌ . ويقول: والله ! لو أعلم كلمة أغيظ لكم منها لقلتها . رضي الله عنه وأرضاه . وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري ، لما قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ فيقول: نعم . فيقول: أتشهد أني رسول الله ؟ فيقول: لا أسمع . فلم يزل يقطعه إرباً إرباً ، وهو ثابت على ذلك .