الأول: (من) في قوله تعالى: {مَن كَفَرَ} موصول مبتدأ خبره: {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ} وقوله: {إِلَّا مَن أَكرِهَ} استثناء مقدم من حكم الغضب . وقوله: {وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً} رجوع إلى صدر الآية وحكمها ، بأسلوب مبين لمن كفر ، موضح له . بمثابة عطف البيان أو عطف التفسير . وهذا الوجه من الإعراب لم أره لأحد ، ولا يظهر غيره لمن ذاق حلاوة أسلوب القرآن .
الثاني: استدل بالآية على أن المكره غير مكلف . وأن الإكراه يبيح التلفظ بكلمة الكفر ، بشرط طمأنينة القلب على الإيمان . واستدل العلماء بالآية على نفي طلاق المكره وعتاقه ، وكل قول أو فعل صدر منه ، إلا ما استثنى . أفاده السيوطي في"الإكليل".
الثالث: روي عن ابن عباس: أنها نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون حتى يكفر بالنبي صلى الله عليه وسلم فوافقهم مكرهاً . ثم جاء معتذراً . قال ابن جرير: أخذ المشركون عماراً فعذبوه ، حتى قاربهم في بعض ما أرادوا . فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ( كيف تجد قلبك ؟ ) قال: مطمئناً بالإيمان . قال صلى الله عليه وسلم: ( إن عادوا فَعُدْ ) .
وقال ابن إسحاق: إن المشركين عَدَوْا على من أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه . فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين . فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش . وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر . يفتنونهم عن دينهم . فمنهم من يفتتن من شدة البلاء الذي يصيبه . ومنهم من يصلب لهم ويعصمه الله منهم . وكان بلال رضي الله عنه عبداً لبعض بني جُمح ، يخرجه أمية بن خلف ، إذا حميت الظهيرة ، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة ، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره . ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى . فيقول (وهو في ذلك البلاء) : أحدٌ ، أحدٌ ، حتى اشتراه أبو بكر وأعتقه .