وجملة وأولئك هم الغافلون تكملة للبيان ، أي الغافلون الأكملون في الغفلة ، لأن الغافل البالغ الغاية ينافي حالة الاهتداء.
والقصر قصر موصوف على صفة ، وهو حقيقي ادعائي يقصد به المبالغة ، لعدم الاعتداد بالغافلين غيرهم ، لأنهم بلغوا الغاية في الغفلة حتى عُدّ كل غافلٍ غيرهم كمن ليس بغافل.
ومن هنا جاء معنى الكَمال في الغفلة لا من لام التّعريف.
وجملة {لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون} واقعة موقع النتيجة لما قبلها ، لأن ما قبلها صار كالدليل على مضمونها ، ولذلك افتتحت بكلمة نفي الشكّ.
فإن {لا جَرم} بمعنى (لا محالة) أو (لا بُد) .
وقد تقدّم آنفاً في هذه السورة عند قوله تعالى: {لا جرم أن الله يعلم ما يسرّون وما يعلنون} وتقدم بسط تفسيرها عند قوله تعالى: {لا جرم أنّهم في الآخرة هم الأخسرون} في سورة هود (22) .
والمعنى: أن خسارتهم هي الخسارة ، لأنهم أضاعوا النعيم إضاعة أبدية.
ويجري هذا المعنى على كلا الوجهين المتقدّمين في ما صْدق (مَن) من قوله: {من كفر بالله} [سورة النحل: 106] الآية.
ووقع في سورة هود (22) {هم الأخسرون} ووقع هنا هم الخاسرون لأن آية سورة هود (21) تقدّمها أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ، فكان المقصود بيان أن خسارتهم في الآخرة أشدّ من خسارتهم في الدنيا.
{ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110) }
عطف على جملة {من كفر بالله من بعد إيمانه إلى قوله: هم الخاسرون} [سورة النحل: 106 109] .
و {ثمّ} للترتيب الرتبي ، كما هو شأنها في عطفها الجمل.
وذلك أن مضمون هذه الجلة المعطوفة أعظمُ رُتبة من المعطوف عليها ، إذ لا أعظم من رضى الله تعالى كما قال تعالى: {ورضوان من الله أكبر} [سورة آل عمران: 15] .