وقد ناط الله الرخصة باطمئنان القلب بالإيمان وغفر ما سوّل القلب.
وإذا كان الإكراه موجب الرخصة في إظهار الكفر فهو في غير الكفر من المعاصي أولى كشرب الخمر والزنا ، وفي رفع أسباب المؤاخذة في غير الاعتداء على الغير كالإكراه على الطلاق أو البيع.
وأما في الاهتداء على الناس من ترتّب الغُرْم فبين مراتب الإكراه ومراتب الاعتداء المكره عليه تفاوت ، وأعلاها الإكراه على قتل نفس.
وهذا يظهر أنه لا يبيح الإقدام على القتل لأن التوعّد قد لا يتحقق وتفوت نفس القتيل.
على أن أنواعاً من الاعتداء قد يُجعل الإكراه ذريعة إلى ارتكابها بتواطوء بين المكرِه والمكرَه.
ولهذا كان للمكره بالكسر جانب من النظر في حمل التبعة عليه.
وهذه الآية لم تتعرّض لغير مؤاخذة الله تعالى في حقّه المحض وما دون ذلك فهو مجال الاجتهاد.
والخلاف في طلاق المكره معلوم ، والتفاصيل والتفاريع مذكورة في كتب الفروع وبعض التفاسير.
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) }
هذه الجملة واقعة موقع التعليل فلذلك فصلت عن التي قبلها ، وإشارة ذلك إلى مضمون قوله {فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم} [سورة النحل: 106] .
وضمير بأنهم عائد إلى {من كفر بالله} [سورة النحل: 106] سواء كان ما صْدق مَن معيّناً أو مفروضاً على أحد الوجهين السابقين.
والباء للسببية ، فمدخولها سبب.
و {استحبّوا} مبالغة في (أحبوا) مثل استأخر واستكان.
وضمن (استحبّوا) معنى (فضّلوا) فعدي بحرف (على) ، أي لأنهم قدّموا نفع الدنيا على نفع الآخرة ، لأنهم قد استقر في قلوبهم أحقّية الإسلام وما رجعوا عنه إلا خوفَ الفتنة أو رغبة في رفاهية العيش ، فيكون كفرهم أشدّ من كفر المستصحبين للكفر من قبل البعثة.