والجواب عنه، والله أعلم: أن آية النحل الأولى لما افتتحت بما الموصولة في قوله تعالى: (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ) ، والمراد بها الإطلاق والعموم، كانت في هذا الموضوع أولى من لفظ (( الذي ) )وإن اشتركا في الموصولية، إلا أن (( الذي ) )لا تفارق الموصولية، فهي كأنها أعرق في التعريف من (( ما ) )، لخروج (( ما ) )عن الموصلية من حيث إنها تكون حال اسميتها شرطاً واستفهاماً، ولا يفارقها العموم والإطلاق في هذين الموضعين، ولا الإبهام إذا كانت صفة أو نكرة موصوفة أو تعجباً، وبالجملة فالإطلاق أملك (بها) ، وهو هنا مقصود، وأما (الذي) فلا تفارق الموصولية، والعهدية فيها أغلب من الجنسية، فما في الآية أحرز للمقصود منها فوردت فيها، وتكررت في قوله: (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ) ، ومعنى الحصر والتعميم فيهما واحد، والكلام مراعى فيه معناه، وكأن قد قيل: كل ما عندكم ينفذ وكل ما عند الله باق، ولفظ (( ما ) )أجرى هنا من (( الذي ) )لما يحرزه من معنى الإطلاق، ولما تقرر من التزامها العموم في الشرط والاستفهام، وأنها لا تمنع الاشتراك حال إبهامها فيما عدا الموضعين.
ومن أهل النظر من يطلق العموم بمعنى منع الشركة، والذي لا يقول هذا لايمكنه إنكار الإبهام الإطلاقي وكيفما قيل فإن معنى التوسعة لا يفارقها، وليست (( الذي) كذلك، فكانت (( ما ) )أملك بالمعنى المقصود في الموضع، ثم ناسبها وجرى معها ورودها في قوله: (بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ، ولم تكن (( الذي ) )لتناسب فجاء كل على ما يجب.