الذي يُخرج الإنسان عن الوفاء بالعهد أنْ يرى مصلحة سطحية فوق ما تعاقد عليه تجعله يخرج عما تعاهد عليه إلى هذه السطحية ، ولكنه لو عقل وتدبَّر الأمر لعلم أنّ ما يسعى إليه ثمن بَخْسٌ ، ومكسب قليل زائل إذا ما قارنه بما ادخِر له في حالة الوفاء ؛ لأن ما أخذه حظاً من دنياه لا بُدّ له من زوال .
والعقل يقول: إن الشيء ، إذا كان قليلاً باقياً يفضل الكثير الذي لا يبقى ، فما بالك إذا كان القليل هو الذي يفنى ، والكثير هو الذي يبقى .
ومثال ذلك: لو أعطيتُك فاكهة تكفيك أسبوعاً أو شهراً فأكلتها في يوم واحد ، فقد تمتعْتَ بها مرة واحدة ، وفاتَكَ منها مُتَعٌ وأكلاتٌ متعددة لو أكلتَها في وقتها .
لذلك ؛ فالحق سبحانه وتعالى يُنبِّهك أنَّ ما عند الله هو الخير الحقيقي ، فجعل موازينك الإيمانية دقيقة ، فمن الحُمْق أن تبيع الكثير الباقي بالقليل الفاني:
{إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [النحل: 95] .
في الآية دِقَّة الحساب ، ودِقَّة المقارنة ، ودِقَّة حَلِّ المعادلات الاقتصادية .
ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ . .} .
يُوضِّح الحق تبارك وتعالى أن حظَّ الإنسان من دُنْياه عَرَضٌ زائل ، فإمَّا أن تفوته بالموت ، أو يفوتك هو بما يجري عليك من أحداث ، أما ما عند الله فهو بَاق لا نفاد له .
{وَلَنَجْزِيَنَّ الذين صبروا . .} [النحل: 96] .
كلمة {صبروا} تدلُّ على أن الإنسان سيتعرّض لِهزَّاتٍ نفسية نتيجة ما يقع فيه من التردد بين الوفاء بالعهد أو نَقْضه ، حينما يلوح له بريق المال وتتحرَّك بين جنباته شهوات النفس ، فيقول له الحق تبارك وتعالى: اصبر . . اصبر لا تكُنْ عَجُولاً ، وقارن المسائل مقارنة هادئة ، وتحمَّل كل مشقة نفسية ، وتغلّب على شهوة النفس ؛ لتصل إلى النتيجة المحمودة .