وكذلك الحق تبارك وتعالى لا يجعل العبد ضالاً ، بل يحكم على عمله أنه ضلال وأنه ضَالّ ؛ فالمعنى إذن: يحكم بضلال مَنْ يشاء ، ويحكم بهُدَى مَنْ يشاء ، وليس لأحد أن ينقلَ الأمر إلى عكس هذا الفهم ، بدليل قوله تعالى بعدها:
{وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 93] .
فالعبد لا يُسأل إلا عَمَّا عملتْ يداه ، والسؤال هنا معناه حرية الاختيار في العمل ، وكيف تسأل عن شيء لا دَخْل لك فيه؟ فلنفهم إذن عن الحق تبارك وتعالى مُرَادَهُ من الآية .
ثم يقول الحق سبحانه:
{وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا}
وردتْ كلمة الدّخَل في الآية قبل السابقة وقلنا: إن معناها: أن تُدخِلَ في الشيء شيئاً أدْنى منه من جنسه على سبيل الغشِّ والخداع ، وإن كان المعنى واحداً في الآيتين فإن الآية السابقة جاءت لتوضيح سبب الدَّخَل وعَلّته ، وهي أن تكون أُمة أَرْبى من أمة ، ويكسب أحد الأطراف على حساب الآخر . أما في هذه الآية فجاءت لتوضيح النتيجة من وجود الدَّخَل ، وهي:
{فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا . .} [النحل: 94] .
ففي الآية نَهْيٌ عن اتخاذ الأَيْمان للغش والخداع والتدليس ؛ لأن نتيجة هذا الفعل فساد يأتي على المجتمع من أساسه ، وفَقْد للثقة المتبادلة بين الناس والتي عليها يقوم التعامل ، وتُبنَى حركة الحياة ، فالذي يُعطي عهداً ويُخلْفه ، ويحلف يميناً ويحنث فيه يشتهر عنه أنه مُخلِف للعهد ناقض للميثاق .
وبناءً عليه يسحب الناس منه الثقة فيه ، ولا يجرؤ أحد على الصَّفَق معه ، فيصبح مَهيناً ينفضُ الناس أيديهم منه ، بعد أنْ كان أميناً وأهلاً للثقة ومَحَلاً للتقدير .
هذا معنى قوله تعالى:
{فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ...} [النحل: 94] .