ومن لُطْفِ الله بخَلْقه أنْ جعلَ هذه الأعضاء مُسخّرة ، لأنه بالله لو أنت مختار في عمل هذه الأعضاء ، كيف تتنفس مثلاً وأنت نائم؟!
إذن: من رحمة الله أنْ جعلكَ مختاراً في الأعمال التي تعرِضُ لك ، وتحتاج فيها إلى النظر في البدائل ؛ ولذلك يقولون: الإنسان أبو البدائل . فالحيوان مثلاً وهو أقرب الأجناس إلى الإنسان ليس لديْه هذه البدائل ولا يعرفها ، فإذا آذيتَ حيواناً فإنه يُؤذيك ، وليس لديه بديل آخر .
ولكن إذا آذيْت إنساناً ، فيحتمل أن يردّ عليك بالمثل ، أو بأكثر مما فعلتَ ، أو أقلّ ، أو يعفو ويصفح ، والعقل هو الذي يُرجِّح أحد هذه البدائل .
إذن: لو شاء الحق سبحانه وتعالى أن يجعل الناس أمة واحدة لجعلها ، كما قال تعالى: {أَن لَّوْ يَشَآءُ الله لَهَدَى الناس} [الرعد: 31] .
ولكنه سبحانه وتعالى لم يشَأْ ذلك ، بدليل قوله:
{ولكن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ ...} [النحل: 93] .
وهذه الآية يقف عندها المتمحِّكون ، والذين قَصُرَتْ أنظارهم في فهْم كتاب الله ، فيقولون: طالما أن الله هو الذي يضِلّ الناس ، فلماذا يُعذِّبهم؟ ونتعجَّب من هذا الفهم لكتاب الله ونقول لهؤلاء: لماذا أخذتُمْ جانب الضلال وتركتُم جانب الهدى؟ لماذا لم تقولوا: طالما أن الله بيده الهداية ، وهو الذي يهدي ، فلماذا يُدخِلنا الجنة؟ إذن: هذه كلمة يقولها المسرفون ؛ لأن معنى:
{يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ . .} [النحل: 93] .
أي: يحكم على هذا من خلال عمله بالضلال ، ويحكم على هذا من خلال عمله بالهداية ، مثل ما يحدث عندنا في لجان الامتحان ، فلا نقول: اللجنة أنجحت فلاناً وأرسبت فلاناً ، فليست هذه مهمتها ، بل مهمتها أن تنظر أوراق الإجابة ، ومن خلالها تحكم اللجنة بنجاح هذا وإخفاق ذاك .