وقال الزمخشري: تأكيداً عليهم ، وإظهار العظم ما يرتكب منه انتهى.
وقيل: إنما كرر لاختلاف المعنيين: لأن الأول نهى فيه عن الدخول في الحلف ونقض العهد بالقلة والكثرة ، وهنا نهي عن الدخل في الإيمان التي يراد بها اقتطاع حقوق ، فكأنه قال: دخلاً بينكم لتتوصلوا بها إلى قطع أموال المسلمين ، وأقول: لم يتكرر النهي عن اتخاذ الأيمان دخلاً ، وإنما سبق إخبار بأنهم اتخذوا أيمانهم دخلاً معللاً بشيء خاص وهو: أن تكون أمة هي أربى من أمة.
وجاء النهي بقوله: ولا تتخذوا ، استئناف إنشاء عن اتخاذ الإيمان دخلاً على العموم ، فيشمل جميع الصور من الحلف في المبايعة ، وقطع الحقوق المالية ، وغير ذلك.
وانتصب فتزل على جواب النهي ، وهو استعارة لمن كان مستقيماً ووقع في أمر عظيم وسقط ، لأنّ القدم إذا زلت تقلب الإنسان من حال خير إلى حال شر.
وقال كثير: فلما توافينا ثبت وزلت.
قال الزمخشري: فنزل أقدامكم عن محجة الإسلام بعد ثبوتها عليها.
(فإن قلت) : لم وجدت القدم ونكرت؟ (قلت) : لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن ثبتت عليه ، فكيف بأقدام كثيرة انتهى؟ ونقول: الجمع تارة يلحظ فيه المجموع من حيث هو مجموع ، وتارة يلحظ فيه اعتبار كل فرد فرد ، فإذا لوحظ فيه المجموع كان الإسناد معتبراً فيه الجمعية ، وإذا لوحظ كل فرد فرد كان الإسناد مطابقاً للفظ الجمع كثيراً ، فيجمع ما أسند إليه ، ومطابقاً لكل فرد فرد فيفرد كقوله: {وأعتدت لهن متكأ} أفرد متكأ لما كان لوحظ في قوله لهن معنى لكل واحدة ، ولو جاء مراداً به الجمعية أو على الكثير في الوجه الثاني لجمع المتكأ ، وعلى هذا المعنى ينبغي أن يحمل قول الشاعر:
فإني وجدت الضامرين متاعهم ...
يموت ويفنى فارضخي من وعائيا
أي: رأيت كل ضامر.
ولذلك أفرد الضمير في يموت ويفنى.