والعاقل يرى هذا المعروف لو فعل إليه إحساناً من الله تعالى، ثم يحمله العقل على شكر هذا المحسن لأنه - وإن كان واسطة في إيصال إحسان الله إليه - فقد أمرنا بشكر الواسط.
وقال المبلِّغ عن الله تعالى - صلى الله عليه وسلم:"لا يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ".
ثم لا يرى العاقل أن هذا الإحسان سيق إليه لحق له عند المحسن، ولا لفضيلة استوجب بها ذلك، بل هو مجرد فضل من الله تعالى، فإذا ابتلي لم يلم من سيق البلاء إليه على يديه، بل شهد البلاء من الله تعالى لحكمة فيه كما يشهد الإحسان منه، كما روى ابن جهضم عن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان - يعني: الداراني - رحمه الله تعالى يقول: تدري لِمَ أزال العاقل الملامة عن من أساء إليه؟
قلت: لا أدري.
قال: لأنه علم أن الله تعالى ابتلاه بذلك.
الفائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: من قبح الحماقة أن العلم - مع أنه أشرف الصفات وأكملها - لا يصلح من فسادها شيئاً.
ومن هنا ينبغي أن يختار العالم للتعليم من يعجبه عقله، ويدل على تمام عقل الطالب حسن نيته في الطلب، وقد سبق ما في فعل المعروف إلى الأحمق، وتعليم العلم أفضل المعروف.
قال أرسطاطاليس: زيادة العلم في الرجل الأحمق كزيادة الماء في أصول الحنظل؛ كلما ازداد علمًا ازداد حماقة.
وتقدم نظيره عن جعفر الصادق في"الأدب".
ووجه ذلك أن الأحمق طائش العقل متكبر، والعلم أعظم ما يتكبر به؛ فإذا تعلم على حماقته ازداد طيشاً، فلا ينتفع بالعلم.
ومن هنا] استعاذ النبي - صلى الله عليه وسلم - من علم لا ينفع؛ فإنه لا ينفع إلا مع العقل.
وقيل: من الكامل
العِلْمُ لِلرَّجُلِ اللَّبِيبِ زِيادَةٌ ... وَنَقِيضُهُ لِلأَحْمَقِ الطَّيَّاشِ
مِثْلُ النَّهارِيَزِيدُ إِبْصارَ الوَرَى ... نُورًا وَيُعْشِي أَعْيُنَ الْخُفَّاشِ
الفائدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: روى ابن عدي عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إيَّاكُمْ وَرَضاعَ الْحَمْقَى".
والحكمة في ذلك أن العادة جارية أن من ارتضع من لبن امرأة غلب عليه أخلاقها.