روى ابن الجوزي عن سلمان بن موسى، وعن الأحنف بن قيس قالا: ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة: حليم من أحمق، وشريف من دنيء، وبر من فاجر.
ومن هنا لا يحسن من العاقل إلا الإعراض عن الأحمق لأن مجاراته تزري بمن يجاريه، وتفسد قلبه، ومعاتبته لا تفيد كما قال الأعمش فيما رواه ابن الجوزي عنه: معاتبة الأحمق نفخُ تليسه؛ أي: في عرامه، أو غفلته؛ من الليس - بالتحريك - وهو الشجاعة، أو الغفلة.
لبعض العرب من مجزوء الرمل:
إِنَّ لِلْحُبِّ وَلِلْبُغـ ... ـضِ عَلى الْعَيْنِ عَلامَة
وَجَوابُ الأَحْمَقِ الصَّمـ ... ـتُ وَفِي الصَّمْتِ السَّلامَة
الفائِدَةُ الرَّابِعَةُ: سبق أن داء الحماقة لا دواء له.
وذكر ابن السبكي في"طبقاته"عن ابن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي - رضي الله عنه - يقول: ثلاثة أشياء ليس لطبيب فيها حيلة: الحماقة، والطاعون، والهرم.
وهل يعارض هذا ما سبق عن الشافعي أنه قال: أربعة أشياء تزيد في العقل: ترك الفضول من الكلام، والسواك، ومجالسة الصالحين، والعمل بالعلم؛ فإن زيادة العقل نقصان في ضده من الحماقة، أم لا؟
قلت: لا معارضة؛ فإن العقل إنما يزيد حيث كان، ومن كان فيه قدر من الحمق فلا ينقصه ما زاد من العقل.
أو نقول: إن ما يزيد من العقل ينقص بقدره من الرُّعونة؛ فإنها تحدث من مخالطة ضعفاء العقول على ما تقدم عن بعضهم، فتزول بالأسباب التي تزيد في العقل كالأمور المذكورة في كلام الشافعي، لا من الحماقة التي هي غريزة.
وروى الدينوري في"المجالسة"عن يحيي بن خالد قال: شيئان يُورثان العقل؛ التين اليابس إذا أكل، ودخان اللبان إذا بخر به.
والذي جرى عليه صاحب"الموجز"، وغيره من الأطباء: أن الرعونة والحمق نقصان في الفكر، أو بطلان ناشئ عن برد ساذج
أو مادي، أو يبس، أو عنهما معاً، وأنه ينفع العلاج منهما والمداواة.
ويؤيده ما صح في الأحاديث:"إِنَّ لِكُلِّ داءٍ دَواءً إِلاَّ السَّام".
وعليه: فمن قال: إنه لا دواء للحكماء، فإنما أراد بذلك التعبير عن عسر زوالها على وجه المبالغة حتى جعل متعذراً، أو غير ممكن.