أي: لغرض النجاة، فالتحامق بالقصد الصحيح مأذون فيه شرعاً، مستحسن مقبول.
ومن التشبه المذموم بالمجانين لما يعود على نفس المتشبه ضرره أمران عظيمان يلحقان العبد بالمجانين فعلاً وصورة، وبالهالكين مالاً وحكماً: الأول، وهو من الأفعال: السكرة سواء كان بشرب الخمر والمسكر، أم بأكل الحشيش والأفيون، وغيرهما من أنواع الكيف؛ فإن السكران يعرض له ما يعرض للمجنون من كشف العورة، والتضمخ بالنجاسة، والكلام الفاحش، والأفعال المضحكة، والسكران أسوأ حالاً من المجنون؛ لأن السكران مؤاخذ بأفعاله وأقواله من طلاق وعتاق وإقرار، مطالب بما يفوته من الفرائض، معاقب على ما يقع منه من الذنوب كالقذف، والشتم، والقتل، والضرب، وكشف العورة بخلاف المجنون، وذلك لأن السكران عاص بتغييب عقله.
قال الحسن: جاء الخمر إلى أحب خلق الله إليه، فأتلفه؛ يعني: العقل.
لما رواه ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه،
والطبراني عن أبي أمامة - رضي الله عنه -، وأبو نعيم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالوا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أَوَّلَ ما خَلَقَ اللهُ الْعَقْلَ، فَقالَ لَهُ: أَقْبِلْ، فَاَقْبَلَ، ثُمَّ قالَ لَهُ: أَدْبِرْ، فَأَدْبَرَ، ثُمَّ قالَ: وَعِزَّتي وَجَلالِي ما خَلَقْتُ خَلْقًا أَكْرَمَ عَلَيَّ مِنْكَ، بِكَ آخُذُ وَبِكَ أُعْطِي، وَبِكَ أُثِيبُ وَبِكَ أُعاقِبُ".
والثاني، وهو من الأخلاق: الغضب، والإفراط فيه؛ إذ به يخرج المرء عن سياسة العقل والدين كما نص عليه في"الإحياء"، فلا يبقى له معه بصيرة، ولا نظر، ولا فكرة، ويتغير لونه، وترتعد فرائصه، وتخرج أفعاله عن الترتب، ويضطرب كلامه وحركته، وينطلق لسانه بالفحش وقبيح الكلام الذي يستحيى منه ذوو العقول، وربما يبطش بالمغضوب عليه ويريد قتله وقد يقتل، فإذا غاب عنه أو حيل بينه وبينه فقد يعود أثر غضبه على نفسه باللطم وتمزيق الثياب، ونتف اللحية، وكسر الآنية، وقد يعدو عدو الواله السكران، وربما يسقط فلا يستطيع النهوض، وقد يغشى عليه، وربما طلق الزوجة ثلاثًا في غضب، وربما دعاه الغضب إلى النميمة وكشف الأسرار، وربما حصل له ضرر بذلك،