وإنما أراد الشافعي رضي الله تعالى عنه أن العاقل إذا تصوف رفض الدنيا، ولم يعبأ بها، وآثر زيَّ الفقراء، وغلب عليه الحب والوَلَه، وخوف العاقبة، فتبدو عليه أحوال هي عند أهل الدنيا من صفات المجانين، وسمات الحمقى والمغفلين، وذلك على حد قوله - صلى الله عليه وسلم:"أكثِرُوا ذِكْرَ اللهِ حَتَّى يَقُولُوا: مَجْنُونٌ".
فقول الشافعي: حتى يصير أحمق معناه: حتى يرى الناس أنه أحمق.
* تَنْبِيهٌ آخَرُ:
روى البزار عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْه".
وروى البيهقي في"الشعب"عن أبي عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى - مرسلاً - قال: سئل أبو عثمان عن قوله:"أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْه"، فقال: الأبله] في دنياه الفقيه في دينه.
وقال الأوزاعي في الحديث: هو الأعمى عن الشر، البصير بالخير.
وقال سهل بن عبد الله: هم الذين ولهت قلوبهم وشغلت بالله. رواهما البيهقي أيضاً.
وقال الجوهري: يعني: البله في أمر الدنيا لقلة اهتمامهم بها، وهم أكياس في أمر الآخرة.
قال الزبرقان بن بدر: خير أولادنا الأبله العقول؛ يريد أنه لشدة حيائه كالأبله، انتهى.
هذا الحديث قاضٍ بمدح العقل والذكاء في الدين، والبَلَه والتعقل في أمور الدنيا، وهو مؤيد لما ذكرناه.
وفي حديث أبي الدرداء المتقدم:"قَلِيلُ التَّوفِيقِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرِ العَقْلِ"؛ أي: الدهاء، والعقل في أمر الدنيا مضرة، والعقل في أمر الدين مسرة.