رواهما ابن الجوزي.
وأنشد بعض الحكماء من الخفيف:
وَعِلاجُ الأَبْدانِ أَيْسَرُ خَطْباً ... حِينَ تَعْتَلُّ مِنْ عِلاجِ الْعُقُولِ
وقيل: من البسيط
لِكُلِّ داءٍ دَواءٌ يُسْتَطَبُّ بِهِ إِلاَّ ... الْحَماقَةَ أَعْيَتْ مَنْ يُداوِيها
وفي معناه ما أنشده الجوهري لقيس بن الحطيم من الوافر:
وَداءُ الْجِسْمِ مُلْتَمِسٌ شِفاءً ... وَداءُ النُّوكِ لَيْسَ لَهُ شِفاءُ
والنوك - بالضم: الحمق.
فإن قلت: إذا كان الحمق غريزة فهو لا يدخل تحت الاختيار، فكيف ينهى عن التحامق والتشبه بالحمقى؟
قلت: إنما يقع النهي عن محاكاة الأحمق في مثل فعله وزيه لا في نفس الحمق، ومن ثم لا يقال للحاكي: أحمق إلا على تأويل، بل يقال: متحامق ومتشبه، ومن الناس من سماه: أرعن؛ ذاهباً إلى أن الرعونة تتولد من معاشرة النساء وغيرهن من ضعفاء العقول، وزعم أن الأرعن في الذم أسهل من الأحمق، والأنوك، ثم المائق أبلغ من الأحمق.
قال في"الصحاح": الموق: حمق في غباوة، يقال: أحمق مائق، والجمع موقى؛ مثل: حمقى ونوكى، وأقره صاحب"القاموس".
والحماقة تختلف اختلافًا كثيرًا كالجنون، وكما قيل: الجنون فنون، والحماقة أيضًا فنون وألوان لا تكاد تنضبط.
قال أبو بكر النقاش: قيل لإبراهيم النظام: ما حد الحمق؟
قال: سألتني عما ليس له حد. رواه الخطيب، وغيره.
فَصْلٌ
اعلم أن الجنون تارة يقع به الاختلال في أمور الدنيا، وتارة في أمور الآخرة.
فأما الأول: فهو أن الجنون قد يغلب عليه الخوف والحزن، فلا يلتفت إلى نعيم الدنيا، فربما ترك النساء ولم يلتفت إليهن، وربما أعرض عن أكل الخشكنان، وأكل خبز الخشكار، وربما ترك شم الرياحين، ونام في مجتمع القمامات والسراجين.
وقد يغلب عليه الأنس والطرب، فيموت ولده ولا يحزن، وَيخْرَب بيته ولا يهتم، ويذهب ماله ولا يتأثر، ويصفع عنقه ولا يغضب، وتتوالى عليه المصائب ولا يضجر، ولا يوحشه من غاب، ولا يؤنسه من حضر؛ فهذه الأحوال قد يحسن التوصل إليها والتخلق بها من العقلاء، لا من حيث تصدر من المجانين، بل من