فالآية حث على حسن الملكة وأدمج أنهم وعبيدهم مربوبون بنعمته تعالى ذلك مع تقلبهم فيها ليكون تمهيداً لكفرانهم نعمه سبحانه السوابغ إلى أن جعلوا له عز وجل أنداداً لا تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً فعبدوها عبادته تعالى أو أشد وأسد ، وفي ذلك من البعد ما فيه ، والعطف فيه على مقدر أيضاً كألا يعرفون ذلك فيجحدون.
{والله جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ} أي من جنسكم ونوعكم وهو مجاز في ذلك ، والأشهر من معاني النفس الذات ولا يستقيم هنا كغيره فلذا ارتكب المجاز وهو إما في المفرد أو الجمع ، واستدل بذلك بعضهم على أنه لا يجوز للإنسان أن ينكح من الجن {أزواجا} لتأنسوا بها وتقيموا بذلك مصالحكم ويكون أولادكم أمثالكم.
وأخرج غير واحد عن قتادة أن هذا خلق آدم وحواء عليهما السلام فإن حواء خلقت من نفسه عليه السلام ، وتعقب بأنه لا يلائمه جمع الأنفس والأزواج ، وحمله على التغليب تكلف غير مناسب للمقام ، وكذا كون المراد منهما بعض الأنفس وبعض الأزواج {وَجَعَلَ لَكُمْ مّنْ أزواجكم} أي منها فوضع الظاهر موضع الضمير للإيذان بأن المراد جعل لكم منكم من زوجه لا من زوج غيره {بنيان} وبأن نتيجة الأزواج هو التوالد {وَحَفَدَةً} جمع حافد ككاتب وكتبة ، وهو من قولهم: حفد يحفد حفداً وحفوداً وحفداناً إذا أسرع في الخدمة والطاعة ، وفي الحديث"إليك نسعى ونحفد"وقال جميل:
حفد الولائد حولهن وأسلمت...
بأكفهن أزمة الأجمال
وقد ورد الفعل لازماً ومتعدياً كقوله:
يحفدون الضيف في أبياتهم...
كرماً ذلك منهم غير ذل
وجاء في لغة كما قال أبو عبيدة أحفد أحفاداً ، وقيل: الحفد سرعة القطع ، وقيل: مقاربة الخطو ، والمراد بالحفدة على ما روي عن الحسن.