الأمم بأن تبلغ الكمال في هذه السجايا الشريفة أمة قال نبيهم:(إنما بعثت لأتمم مكارم
الأخلاق)، الفضيلة حياة الأمم تصون أجسامها عن تداخل العناصر الغريبة وتحفظها
من الانحلال المؤدي إلى الزوال وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا
مُصْلِحُونَ (هود: 117) .
أما الرذائل فهي كيفيات خبيثة تعرض للأنفس من طبيعتها التحليل والتفريق
بين النفوس المتكيفة بها، كالقحة (قلة الحياء) ، والبذاء(التطاول على الأعراض
بما لا تقتضيه الحشمة والأدب من الكلام)، والسفه والبله والطيش والتهور والجبن
والدناءة والجزع والحقد والحسد والكبرياء والعجب واللجاج والسخرية والغدر
والخيانة والكذب والنفاق، فأي صفة من هذه الصفات تلوث بها نفسان، ألقت
بينهما العداوة والبغضاء، وذهبت بهما مذاهب الخلاف إلى حيث لا يبقى أمل في
الوفاق؛ فإن طبيعة كل منهما، إما مجاوزة الحدود في التعدي على الحقوق، وإما
السقوط إلى ما لا يمكن معه للشخص أداء الواجب لمن يشاركه في الجنسية أو الملية
أو القبيلة أو العشيرة أو بأي نوع من أنواع التعامل، والإنسان مجبول بالطبع على
النفرة ممن يتعدى على حقوقه، أو يمنعه حقًّا منها، وإن شئت فتخيل وقحين بذيئين
سفيهين جبانين بخيلين (كل منهما يمنع الآخر حقه) شرهين حاقدين حاسدين
متكبرين (كل لا يستحسن إلا فعل نفسه) لجوجين خائنين غادرين كاذبين منافقين،
هل يمكن أن يجمعهما مقصد أو توحد بينهما غاية؟ أليس كل وصف على حدته
قاضيًا بانتباذ كل من صاحبه، وإن لم تكن داعية؟ وكفى بخلقه وصفته باعثًا قويًّا
للتنابذ.
هذه الرذائل إذا فشت في أمة نقضت بناءها، ونثرت أعضاءها، وبددتها
شذر مذر، واستدعت بعد ذلك طبيعة الوجود الاجتماعي أن تسطو على هذه الأمة
قوة أجنبية عنها لتأخذها بالقهر، وتصرفها في أعمال الحياة بالقسر؛ فإن حاجاتهم
في المعيشة طالبة للاجتماع، وهو لا يمكن مع هذه الأوصاف، ولا بد من قوة خارجة
تحفظ صورة الاجتماع إلى حد الضرورة، هذه صفات إذا رسخت في نفوس قوم
صار بأسهم بينهم شديدًا تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى، تراهم أعزة بعضهم على بعض