والحق تبارك وتعالى بهذا المثَل المشَاهد يُحذرنا من إخلاف العهد ونقْضه ؛ لأنه سبحانه يريد أن يصونَ مصالح الخلق ؛ لأنها قائمة على التعاقد والتعاهد والأيْمان التي تبرم بينهم ، فمَنْ خان العهد أو نقضَ الأيْمان لا يُوثق فيه ، ولا يُطْمأنُ إلى حركته في الحياة ، ويُسقطه المجتمع من نظره ، ويعزله عن حركة التعامل التي تقوم على الثقة المتبادلة بين الناس .
وقوله: {أَنكَاثاً . .} [النحل: 92] .
جمع نِكْث ، وهو ما نُقِض وحُلَّ فَتْله من الغزل .
وقوله:
{تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ . .} [النحل: 92] .
الدَّخَل: أنْ تدخل في الشيء شيئاً أدنى منه من جنسه على سبيل الغِشِّ والخداع ، كأن تدخل في الذهب عيار 24 قيراطاً مثلاً ذهباً من عيار 18 قيراطاً ، أو كأن تُدخِلَ في اللوز مثلاً نَوى المشمش على أنه منه . فكأن الأَيْمان القائمة على الصدق والوفاء يعطيها صاحبها وهو ينوي بها الخداع والغش ، فيحلف لصاحبه وهو يقصد تنويمه والتغرير به .
وقوله:
{أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ ...} [النحل: 92] .
هذه هي العلة في أنْ نتخذَ الأَيْمان دَخَلاً فيما بيننا ، الأَيْمان الزائفة الخادعة ؛ ذلك لأن الذي باع نوى المشمش مثلاً على أنه لوز ، فقد أَرْبى أي: أخذ أزيْد من حقه ونقص حَقَّ الآخرين ، فالعلة إذن في الخداع بالأَيْمان الطمع وطلب الزيادة على حساب الآخرين .
وقد تأتي الزيادة بصورة أخرى ، كأن تُعاهِد شخصاً على شيء ما ، وأدَّيْتَ له بالعهود والأيْمان والمواثيق ، ثم عنَّ لك مَنْ هو أقوى منه سواء كان بالقهر والسلطان أو بالإغراء ، فنقضت العهد الأول لأن الثاني أرْبى منه وأزيد .