{وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ} جمع سربال وهو كل ما يلبس أي جعل لكم لباساً من القطن والكتان والصوف وغيرها {تَقِيكُمُ الحر} خصه بالذكر كما قال المبرد اكتفاء بذكر أحد الضدين عن الآخر أعني البرد ، ولم يخص هو بالذكر اكتفاء لأن وقاية الحر أهم عندهم لما مر آنفاً.
وقال بعضهم: من الرأس خص الحر بالذكر لأن وقايته أهم.
وتعقب دعوى الأهمية بأنه يبعدها ذكر وقاية البرد سابقاً في قوله تعالى: {لَكُمْ فِيهَا دِفْء} [النحل: 5] ثم قيل: وهذا وجه الاقتصار على الحر هنا لتقدم ذكر خلافه ثمت.
واعترض بأنا لا نسلم أن إثبات الدفء هناك يبعد دعوى الأهمية بل في تغاير الأسلوبين ما يشعر بهذه الأهمية ، وقال الزجاج: خص الحر بالذكر لأن ما يقي من الحر يقي من البرد ، وذكر ذلك الزمخشري بعد ذكر الأهمية ، وقال في"الكشف": هو الوجه ، وتخصيص الحر بالذكر لما قدمه في الوجه الأول يعني الأهمية ، وما قيل: من أولوية الأول لقوله تعالى: {مّمَّا خَلَقَ ظلالا} فليس بيء لأنه تعالى عقبه بقوله بسحانه: {مّنَ الجبال أكنانا} كيف وهو في مقام الاستيعاب اه ، وصاحب القيل هو ابن المنير ، وقد اعترض أيضاً على قوله: إن ما يقي من الحر يقي من البرد بأنه خلاف المعروف فإن المعروف أن وقاية الحر رقيق القمصان ورفيعها ووقاية البرد ضده ولو لبس الإنسان في كل واحد من الفصلين القيظ والشتاء لباس الآخر لعد من الثقلاء اه فتدبر.
{وسرابيل} من الجواشن والدروع {تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} أي البأس الذي يصل من بعضكم إلى بعض في الحروب من الضرب والطعن ، وقال بعضهم: أصل البأس الشدة وأريد به هنا الحرب ، والكلام على حذف مضاف أي إذا بأسكم وعلى الأول لا حاجة إليه وقد رجح لذلك {كذلك} أي مثل ذلك الاتمام للنعمة في الماضي {يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} في المستقبل ، ومن هنا قيل:
كما أحسن الله فيما مضى...
كذلك يحسن فيما بقي