والمعنى: والله - تعالى - خلقكم فأحسن خلقكم؛ ورباكم فأحسن تربيتكم، ولم يجعل حياتكم في دنياكم إلى بقاء بل أعدها إلى فناء، ففي أَول نشأتكم على وجه الأرض تنمون ثم تَشِبون، ثم يتوقف نموكم عندما يكتمل شبابكم، ولكنه يحفظ عليكم فتوَّتكم وقوتكم إلى أن تصلوا إلى سن الكهولة فتضعف قُوَاكُم آنا بعد آن، ويتدرج ضعفكم حينا بعد حين، حتى إذا أطلت الشيخوخةُ بأعبائها، حل على أجسادكم الانحطاط الكبير، وعلى عقولكم الوهن الخطير، فتصبحون في أرذل العمر، وأخسِّ مراتب الحياة، فلا تعلمون من بعد علم شيئا، إِذ تنسون ما كنتم تذكرون ولا تحفظون ما تتعلمون، وفى أثناء هذه الحياة منكم من يتوفاه الله في طفولته، ومنكم من يميته في شبابه، وبعضكم يأخذه في كهولة، وآخر يرحلُ إليه في شيخوخته، ولا يرتبط ذلك كله إلا بإِرادة العليم الخبير، فلا يستطيع حكيم أَن يتحكم في أجله {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} .
وليس لمراتب العمر سن معينة، فقد تأتي الكهولة أَو الشيخوخة في سن الشباب، فكم من شبابٍ شابوا وانحطت قواهم وضعفت ذاكرتهم، ومفتاح هذا كله وعلمه عند الله رب العالمين، ولهذا ختم الله الآية بقوله جل ثناؤه.
(إن اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) : أي إِنه تعالى واسع العلم بمقادير أَعماركم، عظيم القدرة على إحيائكم وإماتتكم، وهو صاحب المشيئة المطلقة فإن شاء أمات الشاب النشيط وأَبقى الشيخ الفاني، وإن شاء أجرى الأُمور على ضوابط مطردة، فالحكم لله العلى الكبير.
واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من عدة أُمور منها الهرم حيث يحل أَرذل العمر، ففى صحيح البخارى عن أَنس بن مالك قال:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ فيقول:"اللهم إِنِّى أعُوذْ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وأَعوذُ بِكَ مِنَ الهرمِ، وأعوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ".
71 - {وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ} :