واعلم أنا بالغنا في الجواب عن هذه الشبهة في تفسير قوله تعالى: {وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18] والذي نزيده ههنا أن قوله: {يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ} معناه يخافون ربهم من أن ينزل عليهم العذاب من فوقهم ، وإذا كان اللفظ محتملاً لهذا المعنى سقط قولهم ، وأيضاً يجب حمل هذه الفوقية على الفوقية بالقدرة والقهر كقوله: {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهرون} [الأعراف: 127] والذي يقوي هذا الوجه أنه تعالى لما قال: {يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ} وجب أن يكون المقتضى لهذا الخوف هو كون ربهم فوقهم لما ثبت في أصول الفقه أن الحكم المرتب على الوصف يشعر بكون الحكم معللاً بذلك الوصف.
إذا ثبت هذا فنقول: هذا التعطيل إنما يصح لو كان المراد بالفوقية الفوقية بالقهر والقدرة لأنها هي الموجبة للخوف ، أما الفوقية بالجهة والمكان فهي لا توجب الخوف بدليل أن حارس البيت فوق الملك بالمكان والجهة مع أنه أخس عبيده فسقطت هذه الشبهة.
المسألة الثالثة:
دلت هذه الآية على أن الملائكة مكلفون من قبل الله تعالى وأن الأمر والنهي متوجه عليهم كسائر المكلفين ، ومتى كانوا كذلك وجب أن يكونوا قادرين على الخير والشر.
المسألة الرابعة:
تمسك قوم بهذه الآية في بيان أن الملك أفضل من البشرمن وجوه:
الوجه الأول: أنه تعالى قال: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى السماوات وَمَا فِي الأرض مَن دَآبَّةٍ والملئكة} وذكرنا أن تخصيص هذين النوعين بالذكر إنما يحسن إذا كان أحد الطرفين أخس المراتب وكان الطرف الثاني أشرفها حتى يكون ذكر هذين الطرفين منبهاً على الباقي ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الملائكة أشرف خلق الله تعالى.