وهذا من حكمة الله تعالى حتى لا يقول قائل فيما بعد: إن العصبية لمحمد في مكة فرضتْ الإيمان بمحمد.. لا بل يريد أن يكون الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم هو الذي خلق العصبية لمحمد، فجاء له بعصبية بعيدة عن قريش، وبعد ذلك دانتْ لها قريش نفسها.
وما دامت هناك معركة، فمَن المطحون فيها؟ المطحون فيها هو الضعيف الذي لا يستطيع أنْ يحميَ نفسه. . وهؤلاء هم الذين ظُلِموا. . ظُلِموا في المكان الذي يعيشون فيه؛ ولذلك كان ولا بُدَّ أن يرفع الله عنهم هذا الظلم.
وقد جاء رَفْع الظلم عن هؤلاء الضعفاء على مراحل. . فكانت المرحلة الأولى أن ينتقلَ المستضعفون من مكة، لا إلى دار إيمان تحميهم وتساعدهم على نَشْر دينهم، بل إلى دار أَمْن فقط يأمنون فيها على دينهم. . مجرد أَمْن يتيح لهم فرصة أداء أوامر الدين.
ولذلك استعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاد كلها لينظر أيَّ الأماكن تصلح دار أَمْن يهاجر إليها المؤمنون بدعوته فلا يعارضهم أحد، فلم يجد إلا الحبشة؛ ولذلك قال عنها:"إن بأرض الحبشة ملكاً لا يُظلم عنده أحد، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه".
وتكفي هذه الصفة في ملك الحبشة ليهاجر إليه المؤمنون، ففي هذه المرحلة من نُصْرة الدين لا نريد أكثر من ذلك، وهكذا تمت الهجرة الأولى إلى الحبشة.
ثم يسَّر الله لدينه أتباعاً وأنصاراً التقوْا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه على النُّصْرة والتأييد، ذلكم هم الأنصار من أهل المدينة الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة ومَهَّدوا للهجرة الثانية إلى المدينة، وهي هجرةٌ هذه المرة إلى دار أَمْن وإيمان، يأمن فيها المسلمون على دينهم، ويجدون الفرصة لنشره في رُبُوع المعمورة.
ونقف هنا عند قوله تعالى:
{والذين هَاجَرُواْ...} [النحل: 41] .
ومادة هذا الفعل: هجر. . وهناك فَرْق بين هجر وبين هاجر: