فإن قيل: جاء في بعض الروايات الصحيحة ما يفسر هذا ويبين أن المراد بالفضة الشرب في آنيتها لا لبسها. قال البخاري في صحيحه"باب الشرب في آنية الذهب"حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن الحكم عن ابن أبي ليلى قال ، كان حذيفة بالمدائن فاستسقى ، فأتاه دهقان بقدح فضة فرماه به فقال: إني لم أرمه ، إلا أني نهيته فلم ينته ، وأن النَّبي نهانا عن الحرير والديباج والشرب في آنية الذهب ولافضة وقال:"هن لهم في الدُّنيا ولكم في الآخرة"باب آنية الفضة"حدثنا محمد بن المثنى حدثنا ابن أبي عدي عن ابن عون عن مجاهد عن ابن أبي ليلى قال: خرجنا مع حذيفة وذكر النَّبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ، ولا تلبسوا الحرير والدِّيباج ، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة"انتهى."
فدل هذا التفصيل الذي هو النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة ، والنهي عن لبس الحرير والديباج - على أن ذلك هو المراد بما في الرواية الأولى. وإذن فلا حجة في الحديث على منع لبس الفضة. لأنه تعين بهاتين الروايتين أن المراد الشرب في آنيتها لا لبسها ، لأن الحديث حديث واحد.
فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول - أن الرواية المتقدمة عامة بظاهرها في الشرب واللبس معاً ، والروايات المفتصرة على الشرب في آنيتها دون اللبس ذاكرة بعض أفراد العام ، ساكتة عن بعضها. وقد تقرر في الأصول:"أن ذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصصه"وهو الحق كما بيناه في غير هذا الموضع. وإليه أشار في مراقي السعود بقوله عاطفاً على ما لا يخصص به العموم على الصحيح:
وذكر ما وافقه من مفرد... ومذهب الرواي على المعتمد