وقرأ الأعرج {تيئسوا} بكسر التاء والأمر والنهي على ما قيل إرشاد لهم إلى بعض ما أبهم في قوله: {وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [يوسف: 86] ثم إنه عليه السلام حذرهم عن ترك العمل بموجب نهيه بقوله: {أَنَّهُ} أي الشأن {لاَ يَايْئَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون} لعدم علمه بالله تعالى وصفاته فإن العارف لا يقنط في حال من الأحوال أو تأكيداً لما يعلمونه من ذلك ، قال ابن عباس: إن المؤمن من الله تعالى على خير يرجوه في البلاء ويحمده في الرخاء.
وذكر الإمام أن اليأس لا يحصل إلا إذا اعتقد الإنسان أن الإله غير قادر على الكمال أو غير عالم بجميع المعلومات أو ليس بكريم ، واعتقاد كل من هذه الثلاث يوجب الكفر فإذاكان اليأس لا يحصل إلا عند حصول أحدها وكل منها كفر ثبت أن اليأس لا يحصل إلا لمن كان كافراً ، واستدل بعض أصحابنا بالآية على أن اليأس من رحمة الله تعالى كفر ، وادعى أنها ظاهرة في ذلك.
وقال الشهاب: ليس فيها دليل على ذلك بل هو ثابت بدليل آخر ، وجمهور الفقهاء على أن اليأس كبيرة ومفادة الآية أنه من صفات الكفار لا أن من ارتكبه كان كافراً بارتكابه ، وكونه لا يحصل إلا عند حصول أحد المكفرات التي ذكرها الإمام مع كونه في حيز المنع لجواز أن ييأس من رحمه الله تعالى إياه مع إيمانه بعموم قدرته تعالى وشمول علمه وعظم كرمه جل وعلا لمجرد استعظام ذنبه مثلاً واعتقاده عدم أهليته لرحمة الله تعالى من غير أن يخطر له أدنى ذرة من تلك الاعتقادات السيئة الموجبة للكفر لا يستدعي أكث من اقتضائه سابقية الكفر دون كون ارتكابه نفسه كفراً كذا قيل ، وقيل: الأولى التزام القول بأن اليأس قد يجامع الإيمان وأن القول بأنه لا يحصل إلا بأحد الاعتقادات المذكورة غير بين ولا مبين.