وَقَوْلُهُ: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ، قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ}
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {فَأَسَرَّهَا} : فَأَضْمَرَهَا، وَقَالَ: {فَأَسَرَّهَا} فَأَنَّثَ، لِأَنَّهُ عَنَى بِهَا الْكَلِمَةَ، وَهِيَ: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} ، وَلَوْ كَانَتْ جَاءَتْ بِالتَّذْكِيرِ كَانَ جَائِزًا، كَمَا قِيلَ: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ} وَ {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى} ، وَكَنَّى عَنِ الْكَلِمَةِ، وَلَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ مُتَقَدِّمٌ، وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا، إِذَا كَانَ مَفْهُومًا الْمَعْنَى الْمُرَادُ عِنْدَ سَامِعِي الْكَلَامِ، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ:
[البحر الطويل]
أَمَاوِيَّ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى ... إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ
يُرِيدُ: وَضَاقَ بِالنَّفْسِ الصَّدْرُ، فَكَنَّى عَنْهَا وَلَمْ يُجْرِ لَهَا ذِكْرٌ، إِذْ كَانَ فِي قَوْلِهِ: إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا، دَلَالَةٌ لِسَامِعِ كَلَامِهِ عَلَى مُرَادِهِ بِقَوْلِهِ: «وَضَاقَ بِهَا» وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا، ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا، إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}
فَقَالَ: «مِنْ بَعْدِهَا» وَلَمْ يَجْرِ قَبْلَ ذَلِكَ ذِكْرٌ لِاسْمٍ مُؤَنَّثٍ.
وَقَوْلُهُ: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ}
يَقُولُ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَكْذِبُونَ فِيمَا تَصِفُونَ بِهِ أَخَاهُ بِنْيَامِينَ.
عَنْ قَتَادَةَ: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} : «أَيْ بِمَا تَكْذِبُونَ» فَمَعْنَى الْكَلَامِ إذَنْ: فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ: أَنْتُمْ شَرٌّ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلًا مِمَّنْ وَصَفْتُمُوهُ بِأَنَّهُ سَرَقَ، وَأَخْبَثُ مَكَانًا بِمَا سَلَفَ مِنْ أَفْعَالِكُمْ، وَاللَهُ عَالِمٌ بِكَذِبِكُمْ، وَإِنْ جَهِلَهُ كَثِيرٌ مِمَّنْ حَضَرَ مِنَ النَّاسِ.