وقيل المعنى:"واسأل الْقَرْيَةَ"وإن كانت جماداً ، فأنت نبيّ الله ، وهو يُنطق الجماد لك ؛ وعلى هذا فلا حاجة إلى إضمار ؛ قال سيبويه: ولا يجوز كَلِّم هِنداً وأنت تريد غلام هند ؛ لأن هذا يُشكل.
والقول في العِير كالقول في القرية سواء.
{وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} في قولنا.
الثانية: في هذه الآية من الفقه أن كل من كان على حق ، وعلِم أنه قد يُظنّ به أنه على خلاف ما هو عليه أو يتوهَّم أن يرفع التهمة وكلّ ريبة عن نفسه ، ويصرّح بالحق الذي هو عليه ، حتى لا يبقى لأحد مُتكلَّم ؛ وقد فعل هذا نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم"بقوله للرجلين اللذين مرَّاً وهو قد خرج مع صفِية يَقْلِبُها من المسجد:"على رسلِكما إنما هي صفية بنت حُيَيّ"فقالا: سبحان الله! وكَبُر عليهما ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدّم وإني خَشِيت أن يَقذِف في قلوبكما شيئاً"رواه البخاري ومسلم.
{قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83) }
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ} أي زَيَّنَتْ.
{لَكُمْ أَنفُسُكُمْ} أن ابني سَرَق وما سَرَق ، وإنما ذلك لأمر يريده الله.
{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} أي فشأني صبر جميل ؛ أو صبر جميل أولى بي ، على ما تقدّم أوّل السورة.
الثانية: الواجب على كل مسلم إذا أصيب بمكروه في نفسه أو ولده أو ماله أن يتلقى ذلك بالصبر الجميل ، والرضا والتسليم لمجرِيه عليه وهو العليم الحكيم ، ويقتدي (بنبي الله) يعقوب وسائر النبيين ، صلوات الله عليهم أجمعين.
وقال سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتَادة عن الحسن قال: ما من جرعتين يتجرّعهما العبد أحبّ إلى الله من جرعة مصيبة يتجرّعها العبد بحسن صبر وحسن عَزَاء ، وجرعة غيظ يتجرّعها العبد بحلم وعفو.