الثانية: تضمّنت هذه الآية جواز الشهادة بأي وجه حصل العلم بها ؛ فإن الشهادة مرتبطة بالعلم عقلاً وشرعاً ، فلا تسمع إلا ممن عَلِم ، ولا تقبل إلا منهم ، وهذا هو الأصل في الشهادات ؛ ولهذا قال أصحابنا: شهادة الأعمى جائزة ، وشهادة المستمع جائزة ، وشهادة الأخرس إذا فهمت إشارته جائزة ؛ وكذلك الشهادة على الخطّ إذا تيقّن أنه خطّه أو خطّ فلان صحيحة فكل من حصل له العلم بشيء جاز أن يشهد به وإن لم يُشهِده المشهود عليه ؛ قال الله تعالى: {إِلاَّ مَن شَهِدَ بالحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أَلاَ أخبركم بخير الشهداء خيرُ الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها"وقد مضى في"البقرة".
الثالثة: اختلف قول مالك في شهادة المرور ؛ وهو أن يقول: مررت بفلان فسمعته يقول كذا فإن استوعب القول شهِد في أحد قوليه ، وفي القول الآخر لا يشهد حتى يُشهداه.
والصحيح أداء الشهادة عند الاستيعاب ؛ وبه قال جماعة العلماء ، وهو الحق ؛ لأنه (قد) حصل المطلوب ، وتعيّن عليه أداء العلم ؛ فكان خير الشهداء إذا أعلم المشهود له ، وشر الشهداء إذا كتمها (والله أعلم) .
الرابعة: إذا ادعى رجل شهادة لا يحتملها عمره ردّت ؛ لأنه ادعى باطلاً فأكذبه العِيَان ظاهراً.
{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82) }
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: {واسأل القرية التي كُنَّا فِيهَا والعير} حَقَّقوا بها شهادتهم عنده ، ورفعوا التهمة عن أنفسهم لئلا يتهمهم.
فقولهم:"واسأل الْقَرْيَةَ"أي أهلها ؛ فحُذِف ؛ ويريدون بالقرية مصر.
وقيل: قرية من قراها نزلوا بها وامتاروا منها.