وأعلن المؤذن أن هناك مكافأة لمن يحضره متطوعاً. وهي مكأفاة ثمينة في هذه الظروف:
{ولمن جاء به حمل بعير} من القمح العزيز {وأنا به زعيم} .. أي كفيل.
ولكن القوم مستيقنون من براءتهم ، فهم لم يسرقوا ، وما جاءوا ليسرقوا وليجترحوا هذا الفساد الذي يخلخل الثقة والعلاقات في المجتمعات ، فهم يقسمون واثقين:
{قالوا: تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض} ..
فقد علمتم من حالنا ومظهرنا ونسبنا أننا لا نجترح هذا..
{وما كنا سارقين} .. أصلاً فما يقع منا مثل هذا الفعل الشنيع.
قال الغلمان أو الحراس:
{فما جزاؤه إن كنتم كاذبين؟} ..
وهنا ينكشف طرف التدبير الذي ألهمه الله يوسف. فقد كان المتبع في دين يعقوب: أن يؤخذ السارق رهينة أو أسيراً أو رقيقاً في مقابل ما يسرق. ولما كان إخوة يوسف موقنين بالبراءة ، فقد ارتضوا تحكيم شريعتهم فيمن يظهر أنه سارق. ذلك ليتم تدبير الله ليوسف وأخيه:
{قالوا: جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه. كذلك نجزي الظالمين} ..
وهذه هي شريعتنا نحكمها في السارق. والسارق من الظالمين.
كل هذا الحوار كان على منظر ومسمع من يوسف. فأمر بالتفتيش. وأرشدته حصافته إلى أن يبدأ برحالهم قبل رحل أخيه ، كي لا يثير شبهة في نتيجة التفتيش:
{فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه. ثم استخرجها من وعاء أخيه} ..
ويدعنا السياق نتصور الدهشة بالمفاجأة العنيفة لأبناء يعقوب الموقنين ببراءتهم ، الحالفين ، المتحدين.. فلا يذكر شيئاً عن هذا ، بل يتركه يتملاه الخيال على الصورة التي تكمل رسم المشهد بانفعالاته.. بينما يأخذ في التعقيب ببعض مرامي القصة ، ريثما يفيق النظارة وأبناء يعقوب مما هم فيه:
{كذلك كدنا ليوسف} ..
أي كذلك دبرنا له هذا التدبير الدقيق.
{ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك} ..