أي من أبواب متفرقة حيث أمرهم أبوهم مما كان لَا يغني عنهم من اللَّه من شيء، أي لَا يدفع عنهم دون اللَّه تعالى من شيء، أي أن العين وأشباهها لا تدفع بالدخول من أبواب متفرقة، إنما يدفعها اللَّه إذا شاء (إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا) ، هذا استثناء منقطع، على نظر الكثيرين من المفسرين، والحاجة هي الخاطر الذي خطر على فكر يعقوب، وصار في حاجة لأن ينصح ولده بأن يدخلوا من أبواب متفرقة، وهذه الحاجة هي شفقته على أولاده، وخوفه من العين تصيبهم، كما أشرنا، ومن المفسرين من أنكر خوف العين، على مثل نبي اللَّه يعقوب عليه السلام، وقال: إنه الخوف من الملك إذا رآهم وأولادهم جميعا في أبهة وفخامة أن يبطش بهم، والحاجة تحتمل الأمرين، وربما كان يرشح للثاني قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ) من الحكمة والنبوة فلا يغني عن اللَّه شيء وإنا نميل إلى هذا.
ورشحه أيضا قوله تعالى: (وَلكِنّ أكْثر الناسِ لَا يعْلَمُونَ) بل يسيرون وراء ما يتوهمون، وإن لم تكن له حقيقة ثابتة، واللَّه أعلم.
التقى يوسف بأخيه الحبيب المحسود من إخوته كما حسد هو، وترتب على الحسد كيدهم له الذي أدى إلى وقوعه في الرق ثم نجاته، وصيرورته عزيز مصر المنقذ.
التقى بأخيه فضمه إليه، وأسر إليه وقال له:
(إِنِي أَنَا أخُوك فَلا تَبتئس بمَا كَانوا يَعْملُونَ) .
والأخوة هنا هي الأخوة بالمعنى الخاص، وهو أنهما شقيقان، ولأن حقدهما عليهما جعلهما ينحازان في منحاز واحد، كما أراد الإخوة الكبار، وتذهب به شفقته، وما أنعم اللَّه تعالى به عليه إلى التسرية عن نفس أخيه بقوله (فَلا تَبْتَئِس بِما كانوا يَعْمَلُونَ) ، أي فلا تدخل على نفسك البؤس والحزن بما كانوا يعملون، أي بما استمروا على عمله من إثارة للحسد والحقد، عملوه معي وكانت عاقبته ما ترى لي، فقد آلمت عاقبة فعلهم إلى أن أكون عزيز مصر، وما يفعلونه معك لا تتصوره أن تكون عاقبته شرا، فعاقبته لك خيرا.