وقال مبتدئاً فهو جزاؤه فقال الرسول عند ذلك: إنّه لابدّ من تفتيش أمتعتكم ولستم سارقين حتى أفتّشها فانصرف بهم إلى يوسف، {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ} لإزالة التهمة {قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ} وكان فتّش أمتعتهم واحداً واحداً، قال قتادة: ذكر لنا أنّه كان لا يفتح متاعاً ولا ينظر في وعاء إلاّ استغفر الله تأثّماً ممّا قذفهم به، حتى إذا لم يبق إلاّ الغلام، قال: ما أظنّ هذا أخذ شيئاً، فقال أخوته: والله لا نتحرّك حتى تنظر في رحله، فإنّه أطيب من نفسك وأنفسنا، فلمّا فتحوا متاعه استخرجوه منه فذلك قوله تعالى: {ثُمَّ استخرجها مِن وِعَآءِ أَخِيهِ} وإنّما أتت الكناية في قوله استخرجها والصواع مذكر، وقد قال الله تعالى: {وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ} لأنّ ردّه إلى السقاية كقوله: {الذين يَرِثُونَ الفردوس} [المؤمنون: 11] ، ثمّ قال: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 11] ردّها إلى الجنّة وقوله: {وَإِذَا حَضَرَ القسمة أُوْلُواْ القربى واليتامى والمساكين} [النساء: 8] ، ثمّ قال: {فارزقوهم مِّنْهُ} [النساء: 8] ، أي من الميراث.
وقيل: ردّ الكناية إلى السرقة.
وقيل: إنّما أنّثها لأنّ الصواع يُذكر ويُؤنّث فمن أنّثه قال: ثلاث أصوع مثل أدود ومن ذكّره قال: ثلاثة أصواع مثل ثلاثة أثواب.
{كذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ} يعني كما فعلوا في الابتداء بيوسف فعلنا بهم لأنّ الله تعالى حكى عن يعقوب أنّه قال ليوسف {فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً} فالكيد جزاء الكيد، قال ابن عباس: كذلك كِدنا أي صنعنا، ربيع: ألهمنا، ابن الأنباري: أردنا.
ومعنى الآية: كذلك صنعنا ليوسف حتى ضمّ أخاه إلى نفسه وفصل بينه وبين إخوته بعلّة كادها الله له فاعتلّ بها يوسف، {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ} إليه ويضمّه إلى نفسه {فِي دِينِ الملك} في حكمه وقضائه، قاله قتادة.