فَإِنَّ لِلسُّلْطَانِ حَقَّ الطَّاعَةِ وَالْإِعْظَامِ، وَلِلْعَالِمِ حَقَّ الْقَبُولِ وَالْإِكْرَامِ. ثُمَّ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَبْتَدِئَهُ إلَّا بَعْدَ الِاسْتِدْعَاءِ، وَلَا يَزِيدَهُ عَلَى قَدْرِ الِاكْتِفَاءِ، فَرُبَّمَا أَحَبَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إظْهَارَ عِلْمِهِ لِلسُّلْطَانِ فَأَكْثَرَهُ فَصَارَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى مَلَلٍ وَمُفْضِيًا إلَى بُعْدِهِ، فَإِنَّ السُّلْطَانَ مُتَقَسِّمُ الْأَفْكَارِ مُسْتَوْعِبُ الزَّمَانِ، فَلَيْسَ لَهُ فِي الْعِلْمِ فَرَاغُ الْمُنْقَطِعِينَ إلَيْهِ وَلَا صَبْرُ الْمُنْفَرِدِينَ بِهِ.
وَقَدْ حَكَى الْأَصْمَعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ: قَالَ لِي الرَّشِيدُ: يَا عَبْدَ الْمَلِكِ أَنْتَ أَعْلَمُ مِنَّا وَنَحْنُ أَعْقَلُ مِنْك لَا تُعَلِّمْنَا فِي مَلَاءٍ، وَلَا تُسْرِعْ إلَى تَذْكِيرِنَا فِي خَلَاءٍ، وَاتْرُكْنَا حَتَّى نَبْتَدِئَك بِالسُّؤَالِ فَإِذَا بَلَغْت مِنْ الْجَوَابِ حَدَّ الِاسْتِحْقَاقِ فَلَا تَزِدْ إلَّا أَنْ يُسْتَدْعَى ذَلِكَ مِنْك، وَانْظُرْ إلَى مَا هُوَ أَلْطَفُ فِي التَّأْدِيبِ، وَأَنْصَفُ فِي التَّعْلِيمِ، وَبَلِّغْ بِأَوْجَزِ لَفْظٍ غَايَةَ التَّقْوِيمِ. وَلْيَخْرُجْ تَعْلِيمُهُ مَخْرَجَ الْمُذَاكَرَةِ وَالْمُحَاضَرَةِ لَا مَخْرَجَ التَّعْلِيمِ وَالْإِفَادَةِ؛ لِأَنَّ لِتَأْخِيرِ التَّعَلُّمِ خَجْلَةَ تَقْصِيرٍ يُجَلُّ السُّلْطَانُ عَنْهَا، فَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُ خَطَأٌ أَوْ زَلَلٌ فِي قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ لَمْ يُجَاهِرْهُ بِالرَّدِّ وَعَرَّضَ بِاسْتِدْرَاكِ زَلَلِهِ، وَإِصْلَاحِ خَلَلِهِ.
وَحُكِيَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ قَالَ لِلشَّعْبِيِّ: كَمْ عَطَاؤُك؟ قَالَ: أَلْفَيْنِ. قَالَ: لَحَنْتَ. قَالَ لَمَّا تَرَكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْإِعْرَابَ كَرِهْت أَنْ أُعْرِبَ كَلَامِي عَلَيْهِ.
ثُمَّ لِيَحْذَرْ اتِّبَاعَهُ فِيمَا يُجَانِبُ الدِّينَ وَيُضَادُّ الْحَقَّ مُوَافَقَةً لِرَأْيِهِ وَمُتَابَعَةً لِهَوَاهُ، فَرُبَّمَا زَلَّتْ أَقْدَامُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ رَغْبَةً أَوْ رَهْبَةً فَضَلُّوا، وَأَضَلُّوا مَعَ سُوءِ الْعَاقِبَةِ وَقُبْحِ الْآثَارِ.