وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: أَخْوَفُ مَا أَخَافُ إذَا وَقَفْت بَيْنَ يَدِي اللَّهِ أَنْ يَقُولَ: قَدْ عَلِمْت فَمَاذَا عَمِلْت إذْ عَلِمْت؟ وَكَانَ يُقَالُ: خَيْرٌ مِنْ الْقَوْلِ فَاعِلُهُ، وَخَيْرٌ مِنْ الصَّوَابِ قَائِلُهُ، وَخَيْرٌ مِنْ الْعِلْمِ حَامِلُهُ.
وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: لَمْ يَنْتَفِعْ بِعِلْمِهِ مَنْ تَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: ثَمَرَةُ الْعِلْمِ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ، وَثَمَرَةُ الْعَمَلِ أَنْ يُؤْجَرَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ بَعْضُ الصُّلَحَاءِ: الْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ، فَإِنْ أَجَابَهُ أَقَامَ وَإِلَّا ارْتَحَلَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: خَيْرُ الْعِلْمِ مَا نَفَعَ، وَخَيْرُ الْقَوْلِ مَا رَدَعَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ: ثَمَرَةُ الْعُلُومِ الْعَمَلُ بِالْعُلُومِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: مِنْ تَمَامِ الْعِلْمِ اسْتِعْمَالُهُ، وَمِنْ تَمَامِ الْعَمَلِ اسْتِقْلَالُهُ.
فَمَنْ اسْتَعْمَلَ عِلْمَهُ لَمْ يَخْلُ مِنْ رَشَادٍ، وَمَنْ اسْتَقَلَّ عَمَلَهُ لَمْ يَقْصُرْ عَنْ مُرَادٍ.
وَقَالَ حَاتِمٌ الطَّائِيُّ:
وَلَمْ يَحْمَدُوا مِنْ عَالِمٍ غَيْرِ عَامِلٍ ... خِلَافًا وَلَا مِنْ عَامِلٍ غَيْرِ عَالِمِ
رَأَوْا طُرُقَاتِ الْمَجْدِ عِوَجًا قَطِيعَةً ... وَأَفْظَعُ عَجْزٍ عِنْدَهُمْ عَجْزُ حَازِمِ
لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ عِلْمُهُ حُجَّةً عَلَى مَنْ أَخَذَ عَنْهُ وَاقْتَبَسَهُ مِنْهُ حَتَّى يَلْزَمَهُ الْعَمَلُ بِهِ وَالْمَصِيرُ إلَيْهِ كَانَ عَلَيْهِ أَحَجَّ وَلَهُ أَلْزَمَ؛ لِأَنَّ مَرْتَبَةَ الْعِلْمِ قَبْلَ مَرْتَبَةِ الْقَوْلِ، كَمَا أَنَّ مَرْتَبَةَ الْعِلْمِ قَبْلَ مَرْتَبَةِ الْعَمَلِ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
اسْمَعْ إلَى الْأَحْكَامِ ... تَحْمِلُهَا الرُّوَاةُ إلَيْك عَنْكَا
وَاعْلَمْ هُدِيتَ بِأَنَّهَا ... حُجَجٌ تَكُونُ عَلَيْك مِنْكَا
ثُمَّ لِيَتَجَنَّب أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَفْعَلُ، وَأَنْ يَأْمُرَ بِمَا لَا يَأْتَمِرُ بِهِ، وَأَنْ يُسِرَّ غَيْرَ مَا يُظْهِرُ، وَلَا يَجْعَلُ قَوْلَ الشَّاعِرِ هَذَا:
اعْمَلْ بِقَوْلِي وَإِنْ قَصَّرْت فِي عَمَلِي ... يَنْفَعْك قَوْلِي وَلَا يَضْرُرْك تَقْصِيرِي