فكان معنى السقاية أيضاً هو المكان الذي يُوضَع فيه الماء ليشرب منه الناس .
أو: تُطلق"السقاية"على الآلة التي يُخرج بها الماء للشاربين .
وهنا تُطلق كلمة"السقاية"على الإناء الذي كان يشرب به الملك ، ويُستخدم كمكيال ، وهذا دليلٌ على نَفَاسة المَكِيل .
وتُطلق أيضاً كلمة"صواع"على مثل هذه الأداة التي يُشرب منها ، أو يُرفع بها الماء من المكان إلى فَمِ الشارب ؛ وأيضاً يُكَال بها ؛ ومفردها"صاع".
ويقول الحق سبحانه هنا عن حيلة يوسف لاستبقاء أخيه معه:
{جَعَلَ السقاية فِي رَحْلِ أَخِيهِ} [يوسف: 70] .
أي: أمر بعضاً من أعوانه أن يَضَعوا"السقاية"في رَحْل أخيه ، و"الرَّحْل": هو ما يوضع على البعير ، وفيه متاع المسافر كله . وبعد أن ركب إخوة يوسف جِمالهم استعداداً للعودة إلى الشام ؛ وقعت المفاجأة لهم ؛ والتي يقول عنها الحق سبحانه:
{ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا العير إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} [يوسف: 70] .
أي: يا أصحاب تلك العير أنتم سارقون . والسرقة فعل قبيح حينما يترتَّبُ عليها جزاء يُوقَّع على السارق ، والمسروق هو شيء ثمين .
وفيما يبدو أن هذه الحيلة تمَّتْ بموافقة من"بنيامين"ليمكث مع أخيه يوسف حتى يحضر أبواه إلى مصر .
ولسائل أن يقول: وكيف رَضِى بنيامين بذلك ، وهو أمر يُزِيد من حُزْن يعقوب؟ وكيف يتهم يوسف إخوته بسرقة لم يرتكبوها؟
أقول: انظروا إلى دِقَّة القرآن ، ولنُحْسِنَ الفهم عنه ؛ لنرى أن حزن يعقوب على فَقْد يوسف قد غلبه ؛ فلَن يُؤثِّر فيه كثيراً فَقْد بنيامين .
ودليل ذلك أن يعقوب عليه السلام حين عاد أبناؤه وأخبروه بحكاية السرقة ؛ واستبقاء بنيامين في مصر قال: {ياأسفى عَلَى يُوسُفَ} [يوسف: 84] .
ولم يذكر يعقوب بنيامين .
وأما عن اتهامهم بالسرقة ؛ فالآية هنا لا تُحدِّد ماذا سرقوا بالضبط ، وهم في نظر يوسف قد سَرَقوه من أبيه ، وألقوْه في الجُبِّ .