وطائفة ثالثا وهم العلماء بالله لا يعبدون الله خوفا من عقابه ولا طمعا في ثوابه وإنما يعبدونه لأنه أهل للعبادة وذلك لأنهم عرفوه بما يليق به من الأسماء الحسنى والصفات العليا فعلموا انه ربهم الذي يملكهم وإرادتهم ورضاهم وكل شيء غيرهم ويدبر الامر
وحده وليسوا الا عباد الله فحسب وليس للعبد إلا أن يعبد ربه ويقدم مرضاته وإرادته على مرضاته وإرادته فهم يعبدون الله ولا يريدون في شيء من اعمالهم فعلا أو تركا الا وجهه ولا يلتفتون فيها إلى عقاب يخوفهم ولا إلى ثواب يرجيهم وان خافوا عذابه ورجوا رحمته والى هذا يشير قوله (عليه السلام) "ما عبدتك خوفا من نارك ولا رغبة في جنتك بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك".
وهؤلاء لما خصوا رغباتهم المختلفة بابتغاء مرضات ربهم ومحضوا اعمالهم في طلب غاية هو ربهم تظهر في قلوبهم المحبة الإلهية وذلك انهم يعرفون ربهم بما عرفهم به نفسه وقد سمى نفسه باحسن الأسماء ووصف ذاته بكل صفة جميلة ومن خاصة النفس الإنسانية ان تنجذب إلى الجميل فكيف بالجميل على الإطلاق وقال تعالى:"ذلكم الله ربكم لا إله الا هو خالق كل شيء فاعبدوه"الأنعام: 102 ثم قال:"الذي احسن كل شيء خلقه"الم السجدة: 7 فأفاد ان الخلقة تدور مدار الحسن وانهما متلازمان متصادقان ثم ذكر سبحانه في آيات كثيرة ان ما خلقه من شيء آية تدل عليه وان في السماوات والأرض لآيات لأولى الألباب فليس في الوجود ما لا يدل عليه تعالى ولا يحكى شيئا من جماله وجلاله .
فالأشياء من جهة أنواع خلقها وحسنها تدل على جماله الذي لا يتناهى ويحمده ويثنى على حسنه الذي لا يفنى ومن جهة ما فيها من أنواع النقص والحاجة تدل على غناه المطلق وتسبح وتنزه ساحة القدس والكبرياء كما قال تعالى:"وان من شيء الا يسبح بحمده"اسرى 44 .