{وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسه} وهو إباحة منها ببقية سرها بعد أن أقامت عليهن الحجة وأوضحت لديهن عذرها وقد أصابهن من قبله ما أصابها أي والله لقد راودته حسبما قلتن وسمعتن {فَاسْتَعْصَمَ} قال ابن عطية: أي طلب العصمة وتمسك بها وعصاني.
وفي"الكشاف"أن الاستعصام بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد كأنه في عصمة وهو مجتهد في الاستزادة منها ، ونحوه استمسك واستوسع الفتق واستجمع الرأي واستفحل الخطب اهـ.
وفي"البحر" (( والذي ذكره الصرفيون في {استعصم} أنه موافق لاعتصم ، وأما استمسك واستوسع واستجمع فاستفعل فيه أيضاً موافقة لافتعل ، والمعنى امتسك واتسع واجتمع ، وأما استفحل فاستفعل فيه موافقة لتفعل أي تفحل نحو استكبر وتكبر ) )فالمعنى فامتنع عما أرادت منه ؛ وبالامتناع فسرت العصمة على إرادة الطلب لأنه هو معناها لغة ، قيل: وعنت بذلك فراره عليه السلام منها فإنه امتنع منها أولاً بالمقال ثم لما لم يفده طلب ما يمنعه منها بالفرار ، وليس المراد بالعصمة ما أودعه الله تعالى في بعض أنبيائه عليهم السلام مما يمنع عن الميل للمعاصي فإنه معنى عرفي لم يكن قبل بل لو كان لم يكن مراداً كما لا يخفى.
وتأكيد الجملة بالقسم مع أن مضمونها من مراودتها له عن نفسه مما تحدث به النسوة لإظهار ابتهاجها بذلك.
وقيل: إنه باعتبار المعطوف وهو الاستعصام كأنها نظمته لقوة الداعي إلى خلافه من كونه عليه السلام في عنفوان الشباب ومزيد اختلاطه معها ومراودتها إياه مع ارتفاع الموانع فيما تظن في سلك ما ينكر ويكذب المخبر به فأكدته لذلك وهو كما ترى.
وفي الآية دليل على أنه عليه السلام لم يصدر منه ما سود به القصاص وجوه الطروس ، وليت السدي لو كان قد سد فاء عن قوله: فاستعصم بعد حل سراويله.