ثم بين - سبحانه - مظهرا آخر من مظاهر إنعامه على يوسف فقال: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.
والأشد: قوة الإنسان، وبلوغه النهاية في ذلك، مأخوذ من الشدة بمعنى القوة والارتفاع، يقال: شد النهار إذا ارتفع.
ويرى بعضهم أنه مفرد جاء بصيغة الجمع ويرى آخرون أنه جمع لا واحد له من لفظه وقيل هو جمع شدة كأنعم ونعمة.
والمعنى: وحين بلغ يوسف - عليه السلام - منتهى شدته وقوته، وهي السن التي كان فيها - على ما قيل - ما بين الثلاثين والأربعين.
آتَيْناهُ أي: أعطيناه بفضلنا وإحساننا.
حُكْماً أي: حكمة، وهي الإصابة في القول والعمل أو هي النبوة.
وعِلْماً أي فقها في الدين. وفهما سليما لتفسير الرؤى، وإدراكا واسعا لشئون الدين والدنيا.
وقوله: وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ أي: ومثل هذا الجزاء الحسن والعطاء الكريم، نعطى ونجازي الذين يحسنون أداء ما كلفهم الله - تعالى - به، فكل من أحسن في أقواله وأعماله أحسن الله - تعالى - جزاءه.
ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك، لتحدثنا عن مرحلة من أدق المراحل وأخطرها، في حياة يوسف - عليه السلام - وهي مرحلة التعرض للفتن والمؤامرات بعد أن بلغ أشده، وآتاه الله - تعالى - حكما وعلما، وقد واجه يوسف - عليه السلام - هذه الفتن بقلب سليم، وخلق قويم، فنجاه الله - تعالى - منها.
استمع إلى السورة الكريمة وهي تحكى بأسلوبها البليغ ما فعلته معه امرأة العزيز من ترغيب وترهيب، وإغراء وتهديد ... فتقول:
[سورة يوسف (12) : الآيات 23 إلى 29]
(وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ(23)
وقوله - سبحانه - وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ ... رجوع إلى شرح ما جرى ليوسف في منزل العزيز بعد أن أمر امرأته بإكرام مثواه، وما كان من حال تلك المرأة مع يوسف، وكيف أنها نظرت إليه بعين، تخالف العين التي نظر بها إليه زوجها.