وقد توجس يعقوب منهم خيفة، وقال معلنا خوفه بهاتين العبارتين أولاهما: (إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ) وفي هذه العبارة السامية يبين حزنه أريد الذي أكده بـ (إنَّ) ولام التوكيد، وسبب الحزن هو مفارقته، فذهابهم به يوجد في نفسه حزنا عميقا، وذلك إمارة حبه الدفين الذي لَا يستطيع معه فراقا، والثانية: قوله: (وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئب) فهو لَا يحب أن يفترق عنه، ويخاف عليه من الذئب.
وهنا نقول: إن نبي اللَّه يعقوب كان ينطق بفطرة الأبوة المحبة، ولكنه يخاطب من يريدون الشر ويفعلون، ويحاولون من بعد أن يلتمسوا المعاذير التي يرونها تدخل على نفس أبيهم في يُسر، ومن غير استئذان، وقد وجدوا الأب الكريم الطيب النقي، يسهل لهم معاذيرهم، وهو خوفه من أن يأكله الذئب، وهم عنه غافلون، فقالوا: أكله الذئب، فعذرهم الكاذب أخذوه من قول أبيهم الصادق، وعلموا أنه الذريعة إلى التصديق، وإخفاء ما بيتوا.
قالوا مسترسلين في خديعة أبيهم، ومن يدبر الشر
(لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ(14)
أكدوا لأبيهم، أن حمايتهم له كاملة شاملة، لَا يمكن أن
يأكله الذئب، وهو بينهم، و (اللام) في قولهم: (لَئِنْ) هي الموطئة للقسم الدالة عليه، وأكدوا استبعاد أن يأكله الذئب، بالجملة الحالية (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) أي قوة مانعة حامية، وجواب القسم (إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرونَ) إن كان ذلك نكون في خسار مؤكد، وضعف، ولا يمكن أن يكون ذلك.
قبل الأب الكريم ما بدا من ظاهر قولهم، ولكنه لم يحس بالاطمئنان الكامل؛ لأنه كلام ليس خارجا من قلوبهم، بل هم كاذبون في حقيقة أمرهم، واللَّه ولي الباطن، وللناس - ولو أنبياء - ما ظهر.
أخذوه بعد أن أحكموا الخطة، ونجحت الخطوة الأولى منها.
(فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(15)