قيل: قد بقي ههنا قسم آخر ليسوا من أهل النار ولا من أهل الجنة كالمجانين والأطفال فهم أصحاب الأعراف ، وتخصيص القسمين بالذكر لا يدل على نفي الثالث. أما قوله في صفة أهل النار {لهم فيها زفير وشهيق} ففيه وجوه قال الليث وكثير من الأدباء: الزفير استدخال الهواء الكثير لترويح الحرارة الحاصلة في القلب بسبب انحصار الروح فيه وحينئذٍ يرتفع صدره وينتفخ جنباه ، والشهيق إخراج ذلك الهواء بجهد شديد من الطبيعة ، وكلتا الحالتين تدل على كرب شديد وغم عظيم. الحاصل أنهم جعلوا الزفير بمنزلة ابتداء نهيق الحمار ، والشهيق بمنزلة آخره. وقال الحسن: إن لهب جهنم يرفعهم بقوته حتى إذا وصلوا إلى أعلى دركات جهنم وطمعوا في أن يخرجوا منها ضربتهم الملائكة بمقامع من حديد ويردونهم إلى الدرك الأسفل من النار ، فارتفاعهم في النار هو الزفير ، وانحطاطهم مرة أخرى هو الشهيق. وقال أبو مسلم: الزفير ما يجتمع في الصدر من النفس عند البكاء الشديد فينقطع النفس ، والشهيق هو الصوت الذي يظهر عند اشتداد الكربة والحزن ، وربما يتبعها الغشية ، وربما يحصل عقيبه الموت. وقال أبو العالية: الزفير في الحلق ، والشهيق في الصدر. وقيل: الزفير الصوت الشديد ، والشهيق الصوت الضعيف. وعن ابن عباس: لهم فيها بكاء لا ينقطع وحزن لا يندفع. وقال أهل التحقيق: قوة ميلهم إلى الدنيا ولذاتها زفير ، وضعفهم عن الاستسعاد بكمالات الروحانيات شهيق. ثم إن قوماً ذهبوا إلى أن عذاب الكفار منقطع وله نهاية واستدلوا على ذلك بالقرآن والحديث والمعقول. أما القرآن فقوله سبحانه: {خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض} أي مدة بقائهما {إلا ما شاء ربك} وفي استدلالان: الأول أن مدة عقابهم مساوية لمدة بقاء السماوات والأرض المتناهية بالاتفاق. الثاني استثناء المشيئة ويؤكد هذا النص قوله: {لابثين فيها أحقاباً} النبأ: 23] وأما الحديث فما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص