قُلْنَا: الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى تَسْكِينِ الْعَرْشِ والسماوات وَالْأَرْضِ فِي أَمْكِنَتِهَا كَيْفَ يَعْجَزُ عَنْ تَسْكِينِ أُولَئِكَ الْمَلَائِكَةِ فِي أَحْيَازِهَا بِقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ؟
وَأَمَّا وَجْهُ الِاعْتِبَارِ فِي ذَلِكَ فَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا حَصَلَ هُنَاكَ مُعْتَبَرٌ، لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَكُونَ اعْتِبَارُهُ بِمَا يُشَاهِدُهُ حَالًا بَعْدَ حَالٍ أَقْوَى وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أَنَّ مَا يَحْدُثُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَادِرٌ مِنْ فَاعِلٍ حَكِيمٍ وَأَمَّا الْمَخْلُوقُ دُفْعَةً وَاحِدَةً فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
وَالسُّؤَالُ الثَّالِثُ: فَهَلْ هَذِهِ الْأَيَّامُ كَأَيَّامِ الدُّنْيَا أَوْ كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهَا سِتَّةُ أَيَّامٍ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ كُلُّ يَوْمٍ مِنْهَا أَلْفُ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ؟
وَالْجَوَابُ: قَالَ الْقَاضِي: الظَّاهِرُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ تَعْرِيفٌ لِعِبَادِهِ مُدَّةَ خَلْقِهِ لَهُمَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَعْرِيفًا، إِلَّا وَالْمُدَّةُ هَذِهِ الْأَيَّامُ الْمَعْلُومَةُ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَمَّا وَقَعَ التَّعْرِيفُ بِالْأَيَّامِ الْمَذْكُورَةِ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَكَانَ الْمَذْكُورُ هُنَاكَ أَيَّامَ الْآخِرَةِ لَا أَيَّامَ الدُّنْيَا، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَادِحًا فِي صِحَّةِ التَّعْرِيفِ.
السُّؤَالُ الرَّابِعُ: هَذِهِ الْأَيَّامُ إِنَّمَا تَتَقَدَّرُ بِحَسَبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى مَفْقُودٌ قَبْلَ خَلْقِهَا، فَكَيْفَ يُعْقَلُ هذا التعريف؟
وَالْجَوَابُ التَّعْرِيفُ يَحْصُلُ بِمَا أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ حدوث السماوات وَالْأَرْضِ فِي مُدَّةٍ، لَوْ حَصَلَ هُنَاكَ أَفْلَاكٌ دَائِرَةٌ وَشَمْسٌ وَقَمَرٌ، لَكَانَتْ تِلْكَ الْمُدَّةُ مُسَاوِيَةً لِسِتَّةِ أَيَّامٍ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: فَهَذَا يَقْتَضِي حُصُولَ مُدَّةٍ قَبْلَ خَلْقِ الْعَالَمِ، يَحْصُلُ فِيهَا حُدُوثُ الْعَالَمِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ قِدَمَ الْمُدَّةِ.