وإذا قدّرته مصدرا كان أبعد ، لأن المصدر يجري على فعله في الصحّة والاعتلال ، والقلب ضرب من الاعتلال ، فإذا لم يكن في الفعل لم ينبغ أن يكون في المصدر أيضا ، ألا ترى أنّهم قالوا: لاوذ لوإذا ، وبايع بياعا ، فصحّحوهما في المصدر لصحتهما في الفعل ، وقالوا: قام قياما ؛ فأعلّوه ونحوه لاعتلاله في الفعل .
[يونس: 16]
اختلفوا في فتح الراء وكسرها من قوله جل وعز:
ولا أدراكم به [يونس/ 16] .
فقرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص ونافع ولا أدراكم به بفتح الراء ، والألف .
وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر وحمزة والكسائي: ولا أدريكم به بكسر الراء وبألف .
قال أبو علي قوله: ولا أدراكم به حكى سيبويه:
دريته ، ودريت به ، قال: والأكثر في الاستعمال بالباء ، ويبيّن ما قاله من ذلك قوله سبحانه: ولا أدراكم به ، ولو جاء على اللغة الأخرى لكان: ولا أدراكموه ، وقالوا: الدّرية ، فجاء على فعلة ، كما قالوا: الشّعرة ، والدّرية ، والفطنة ، وهي مصادر يراد بها ضروب من العلم .
وجاء هذا البناء في غير هذا النحو كقولهم: الردّة قال:
قليل ردّتي إلا أمامي فأمّا الدراية فكالهداية والدّلالة ، وكأن الدراية التأنّي والتعمّل لعلم الشيء ، وعلى هذا المعنى ما تصرّف ، ومن هذه الكلمة أنشد أبو زيد:
فإنّ غزالك الذي كنت تدّري ... إذا شئت ليث خادر بين أشبل
قال أبو زيد: تدّري: تختل ، ومنه الدّريّة في قول أكثر الناس في الحجل الذي يستتر به الصائد من الوحش ، كأنه يختل به ، فيأتي الوحش من حيث لا تعلم .
وقالوا: داريت الرجل: إذا لا ينته وختلته .
وإذا كان هذا الحرف على هذا ، فالداري في وصف القديم لا يسوغ ، فأما قول الراجز: