فَكَانَتِ الْحُرُوبُ الصَّلِيبِيَّةُ الْمَشْهُورَةُ فِي التَّارِيخِ بِفَظَائِعِهَا وَفُجُورِهَا وَمَفَاسِدِهَا وَفَوَاحِشِهَا وَمَطَامِعِهَا ، الَّتِي اقْتُرِفَتْ بِاسْمِ الْمَسِيحِيَّةِ الطَّاهِرَةِ الْبَرِيئَةِ مِنْهُ وَمِنْ أَهْلِهَا .
كَانَ مِنْ تَمْهِيدِ رِجَالِ الْكَنِيسَةِ دُعَاةِ هَذِهِ الْحَرْبِ وَمُوقِدِي نَارِهَا أَنْ أَلَّفُوا كُتُبًا وَرَسَائِلَ كَثِيرَةً ، وَزَوَّرُوا خُطَبًا بَلِيغَةً ، وَنَظَمُوا أَنَاشِيدَ وَأَغَانِيَ مُهَيِّجَةً كُلَّهَا فِي الطَّعْنِ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَتَشْوِيهِ سِيرَةِ الْمُسْلِمِينَ ، لَمْ يُعْرَفْ فِي تَارِيخِ الْبَشَرِ لَهَا نَظِيرٌ فِي الْكَذِبِ وَالْبُهْتَانِ ، وَقَلْبِ الْحَقَائِقِ ، وَتَشْوِيهِ الْمَحَاسِنِ ، وَمُحَاوَلَةِ جَعْلِ النُّورِ ظَلَامًا ، وَالْحَقِّ بَاطِلًا ، وَالْفَضِيلَةِ رَذِيلَةً ، حَتَّى إِنَّ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ اطَّلَعُوا عَلَى شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْمَكْتَوْبَاتِ بَعْدَ تِلْكَ الْحُرُوبِ بِقَرْنٍ ، أَدْهَشَهُمُ الْعَجَبُ مِنْ تِلْكَ الْأَبَاطِيلِ الْمُخْتَرَعَةِ الَّتِي لَمْ تَخْطُرْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ عَلَى بَالٍ ، وَلَمْ تَلُحْ لَهَا صُورَةٌ فِي خَيَالٍ ، لِمُبَايَنَتِهَا لِلْقُرْآنِ الْمُنَزَّلِ وَالسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ وَالسِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ ، وَالْفُتُوحَاتِ الْعَرَبِيَّةِ ، رَحْمَةً وَعَدْلًا ، وَكَرَمًا وَفَضْلًا ، وَشَرَفًا وَنُبْلًا ، وَكَذَا مَا دُوْنَهَا مِنَ الْحُرُوبِ الْإِسْلَامِيَّةِ .