وَلَا بُدَّ لَنَا مَعَ هَذَا التَّذْكِيرِ بِمَا بَيَّنَّاهُ قَبْلُ ، مِنْ أَنَّ الدِّينَ لَا يَكُونُ دِينًا
تَتَحَقَّقُ بِهِ هِدَايَةُ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ إِلَّا إِذَا كَانَ مَصْدَرُهُ أَعْلَى مِنْ جَمِيعِ مَصَادِرِ الْعِلْمِ الْكَسْبِيِّ ، لِتُذْعِنَ لَهُ النَّفْسُ ، وَتَخْضَعَ الْإِرَادَةُ ، وَقَدْ وَضَعَ بَعْضُ حُكَمَاءِ أُورُبَّةَ قَوَاعِدَ لِدِينٍ عِلْمِيٍّ عَقْلِيٍّ اسْتَحْسَنُوهَا وَلَمْ يُذْعِنُوا لَهَا ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُذِعِنُ إِلَّا لِمَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ أَعْلَى مِنْهُ وَلَهُ السُّلْطَانُ وَالْقَهْرُ عَلَيْهِ ، وَكُلُّ مَا يُدْرِكُهُ بِكَسْبِهِ فَهُوَ يَرَاهُ دُونَهُ وَمَقْهُورًا لِإِرَادَتِهِ ; لِذَلِكَ لَا يَخْضَعُ الْبَشَرُ لِكُلِّ مَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ صَوَابٌ وَحَقٌّ فِي نَفْسِهِ ، إِلَّا إِذَا وَافَقَ أَهْوَاءَهُمْ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ بِالْقَطْعِ مِنْ سِيرَةِ أَفْرَادِهِمْ وَجَمَاعَاتِهِمْ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا ، وَالِاخْتِلَافُ مِنْ طَبْعِهَا ، فَالدِّينُ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ لِإِصْلَاحِ الْبَشَرِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِوَحْيٍ مِنْ عَالِمِ الْغَيْبِ ، وَلَا يَثْبُتُ هَذَا فِي عَصْرِنَا هَذَا إِلَّا بِالْإِسْلَامِ .
(7) مَبْلَغُ عِلْمِ الْإِفْرِنْجِ بِالْإِسْلَامِ وَحُكْمِهِمْ عَلَيْهِ:
بَزَغَتْ شَمْسُ الْإِسْلَامِ فِي عَصْرٍ كَانَتْ فِيهِ جَمِيعُ شُعُوبِ الْأَرْضِ مُتَسَكِّعَةً فِي دَيَاجِيرِ الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ وَالْإِسْرَافِ فِي الشَّهَوَاتِ الْحَيَوَانِيَّةِ ، وَكَانَ آخِرَ عَهْدٍ لِأُورُبَّةَ بِالْعِلْمِ وَالْأَدَبِ وَالْحَضَارَةِ