ليس من المقابلة عند السكاكي؛ لأنه اشترط في الدين والدنيا الاجتماع، ولم يشترط في الكفر والإفلاس ضده، يكون هذا ليس بسديد، فعدم الشرط في الكفر والإفلاس هنا لا يقدح في المقابلة، وإن انتقص من كمالها وحسنها على ما بينه العصام.
صورة المقابلة إذن عند الخطيب لا تختلف كثيرًا عن صورة المقابلة عند السكاكي، والمقابلة على هذا تدخل صور المطابقة، ولكن لا بأس من أن يكون لها باب مستقل خاص يعالج مسائلها وصورها وخصائصها وبلاغتها؛ لأن الحديث عنها يتشعب ويطول، وإفراد باب خاص لها لا ينبغي أن يُفهم منه على أنها مختلفة عن الطباق اختلافًا جوهريًّا، فليس هذا بشرط دائمًا لتخصيص باب مستقبل لفن بعينه.
إن الأساس التي تقوم عليه المقابلة عند السكاكي والخطيب هو نفس الأساس الذي يقوم عليه الطباق وهو التضاد في المعاني.
غاية ما في الأمر، أن التضاد في الطباق يقوم بين معنيين متضادين فقط، أما في المقابلة فإن التضاد يكون بأكثر من ذلك، وهنا ينفرد التقابل بخصوصية وهو أن المعاني المجتمعة قبل التقابل لا بد أن تكون متوافقة، وهذا النوع طباق صريح عند كثير من القدماء والمحدَثين.
والمقابلة على هذا الأساس - سواء كانت أصلًا والطباق فرعًا عليها أم كانت فرعًا على الطباق وهو الأقرب إلى الصواب - تبدأ من مقابلة اثنين باثنين وتنتهي بمقابلة ستة بستة، ولا يشترط التضاد في المقابلة كما اشترط في الطباق، فيمكنك أن تقابل بين المعاني المتضادة تضادًّا صريحًا ظاهرًا أو خفيًّا ويمكنك أن تقابل بما يلحق بالطباق بأي صورة من صوره، فالتضاد في صور المقابلة مبني على التوسع وهذا معنى قول ابن أبي الأصبع: والمقابلة تكون بالأضداد وغيرها، لكن الخطيب يفضّل التقابل بالأضداد على التقابل بغيرها، وهذا واضح من الموازنة بين بيت أبي دلامة في مقابلة ثلاثة بثلاثة:
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل
وبيت أبي الطيب في مقابلة خمسة بخمسة:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي
قال: ورُجّح بيت أبي الطيب على بيت أبي دلامة لكثرة المقابلة مع سهولة النظم، وبأنها قافية هذا متمكنة وقافية هذا مستدعاة، فإن ما ذكره غير مختص بالرجال، كما يتميز بيت أبي دلامة على بيت أبي الطيب بجودة المقابلة، فإن ضد الليل المحض هو النهار لا الصبح، ومعنى هذا أن بلاغة المقابلة قائمة على أساسين: كثرة المقابلات والتضاد الحقيقي.