وهذا ومثله إنما يكشف لنا جوانب من دقة اللغة، واستخدام القرآن الكريم لكلماتها، وحروفها استخداما بلغ الغاية في دقة التعبير، كما أنه كشف عن طاقة عجيبة تكمن في كلمات اللغة وتراكيبها.
ونحن وإن كنا نقع على أمثال هذه الفروق في الشعر، والكلام المختار إلا أنها لا تطرد، ولا تسخو كما تطرد وتسخو في القرآن.
{وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ (62) }
ومما لوحظ في بنائه خصوصية التقديم ليفيد معنى الاهتمام بالمقدر، ويؤكد التسوية في معنى المسند قوله تعالى: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ (62) }
الأصل: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك، فحذف من الثاني لدلالة الأول عليه، وقدم رسوله على المسند المذكور ليفيد أهمية إرضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، خشية أن تنصرف النفوس إلى إرضاء الله تتوانى في شيء من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنبه بهذا التقديم على أهمية إرضاء رسول الله، وأنه من الله بمكان.
{وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ (72) }
فالتنكير في رضوان يفيد التقليل؛ لأن المعنى وقليل من رضوان الله أكبر من كل نعيم، وهذا يلحظ في معنى هذا التنكير؛ لأن القليل من الله كثير وكثير.
{فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ (122) }
وتأمل التعبير عن الخروج في طلب العلم بقوله: {نفر} ، وإنما يقال: نفر القوم إذا خرجوا في طلب العدو، وبعد هذا عاد إلى الخروج في الحرب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} .
وهذا قاطع في أن حملة العلوم التي هي أصل حضارة الإسلام لا بد أن يكون حملهم لها حمل بصيرة، وفهم واقتناع حتى يكونوا قادرين على نقلها لأجيال الأمة لا على أنها معترفة فحسب، وإنما معرفة لها بصيرة ولها نور، وأنها دعائم الحضارة الإسلامية التي هي جوهر الكيان السياسي للأمة.
وهذا يوجب الصبر على تجليتها، وإبراز تجلياتها حتى تكون موردًا عذبا يجري في القلوب، والعقول معا فيوجه السلوك، والثقافة والفكر، ويغلب كل ذلك في ديار الإسلام.