وأما القيامُ على قُبورِهم من غيرِ استغفارٍ، فلا حَرَجَ فيه؛ فقدْ كانَ مَوْضِعُ مَسْجِدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قُبورًا للمشركين.
وفي هذا دَلالَةٌ على أَنَّ حكمَ القِيام على القبورِ بالصَّلاةِ والاستغفارِ كَحُكْمِ الصَّلاةِ على المَيِّتِ قبلَ الدَّفْنِ، وبهِ قالَ الشافعيُّ وأحمد وأبو داودَ، وجماعةٌ، ورُوي ذلكَ من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وقال أبو حنيفة: لا يُصَلِّي على القبرِ إلَّا الوَليُّ أَوِ الوالي إذا فاتَتْهُ الصَّلاةُ.
وقال مالكٌ: لا يُصَلَّى على القبرِ بحالٍ، واحتجَّ بتركِ أهلِ المدينةِ ذلك.
قال ابنُ القاسم: قلتُ لمالكٍ: فالحديثُ الذي جاءَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّه صَلَّى على قبرِ امرأةٍ؟ قالَ: قد جاءَ هذا الحديثُ، ولكنْ ليسَ عليهِ العملُ.
* إذا عرفتَ هذا، عرفتَ أنَّ المرادَ بالصلاةِ هو موضوعُها اللُّغَوِيُّ الذي هو الدُّعاءُ، لا معناها الشرعيُّ الذي هو الرُّكوعُ والسجودُ، وقد بيَّنَها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كذلك، وقد جُعِلَ التكبيرُ بمنزلةِ أَفْعالِها.
* واختلفَ سَلَفٌ من الصَّحابَةِ - رضيَ اللهُ تعالى عنهم - في عددِ التكبيرِ.
فاتفقَ فقهاءُ الأمصارِ على أن التكبيرَ أربعٌ، إلا ابنَ أبي ليلى وجابرَ بنَ زيدٍ؛ فإنهما قالا: هو خمسٌ وسِتٌّ.
وخَرَّجَ مسلمٌ في"صحيحه"عن عبدِ الرَّحْمنِ بنِ أبي ليلى قال: كانَ زيدُ بنُ أَرْقَمَ يُكَبِّرُ على الجِنازَةِ أَرْبَعًا وخمسًا، فسألناهُ، فقال: كانَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يكبرُ على الجِنازة أَرْبَعًا، وخَمْسًا، وسِتًّا، وسَبْعًا، وثَمانِيًا، حتى ماتَ النَّجاشِي، فصفَّ الناسَ وراءه، وكَبَّرَ أربعًا، ثم ثبتَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على الأَرْبَعِ حتى تَوَفَّاهُ الله.
* ولَمّا لاحَظَ أبو حنيفةَ هذا المعنى، قال: ليسَ فيها قراءةٌ، وإنَّما هي دعاءٌ.
وكذلكَ قالَ مالِكٌ: قراءةُ القرآنُ فيها ليسَ بمَعْمولٍ به في بلدِنا، وإِنَّما نَحْمَدُ الله، ونُثْني عليهِ بعدَ التكبيرةِ الأولى، ثم نكبرُ الثانيةَ، فنصلِّي على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، ثم نكبرُ الثالثةَ، فنشفَعُ للمَيِّتِ، ثم نكبرُ الرابعةَ، ونسلمُ.