* وقد أجمعَ المسلمونَ على مَنْعِ الصَّلاةِ على المُنافقينَ في زَمَنِه - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك إمَّا لأنَّ الله - عَزَّ وَجَلَّ - عَرَّفَهُم نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - في لَحْنِ القَوْلِ، أو أَعلمَه أنهم ماتوا فاسِقين.
* ثم كرهَ مالِكٌ لأهلِ الفضلِ الصَّلاةَ على أهلِ البِدَعِ؛ زَجْرًا لهم.
* ومَنَع الإمامَ أَنْ يُصَلِّيَ على مَنْ قَتَلَهُ حَدًّا؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يُصَلِّ على ماعِزٍ، ولم يَنْهَ عنِ الصَّلاةِ عليهِ، خَرَّجَهُ أبو داودَ.
* ومنعَ قومٌ من الصَّلاةِ على قاتِلِ نفسِه؛ لما روى جابرُ بنُ سَمُرَةَ: أن
رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أبي أن يصلِّيَ على رجلٍ قتلَ نفسَه.
* ومُقْتَضى هذا الخطابِ أَنَّ الصَلاةَ جائزةٌ على المؤمنين، بل أجمعَ المسلمونَ على وُجوبِها, ولم يَزَلِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي على مَوْتى المسلمينَ، إلَّا مَنْ كانَ مَدْيونًا؛ فإنهُ كانَ يأمرُ بالصَّلاةِ عليه، ولا يُصَلِّي عليه، ثم نُسِخَ ذلكَ.
* واخْتَلَفوا في الشهيدِ:
فقال مالِكٌ والشافعيُّ: لا يُغَسَّلُ، ولا يصلى عليه، واحتجُّوا بما رواهُ جابرٌ - رضي الله تعالى عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بشُهداء أُحُدٍ، فَدُفِنوا بثيابِهم، ولم يُصَلِّ عليهم، ولم يُغَسَّلُوا.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُغَسَّلُ، ويُصَلَّى عليه، واستدَل بما خَرَّجَهُ أبو داودَ عنِ ابنِ عباس - رضيَ اللهُ تَعالى عنهُما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى على قَتْلى أُحُدٍ، وعَلَى حَمْزَةَ، ولَمْ يُغَسَّلْ، ولم يُيَمَّمْ، واستدَلَّ أيضًا بأحاديثَ مُرْسَلَةٍ.
وأجابوا بمنعِ الاحْتِجاجِ في المُرْسَل، وإن سلمَ، فهو لا يقاوِمُ المُسْنَدَ، وبأنَّ حديثَ ابنِ عَبَّاسٍ يرويه ابنُ أبي الزِّنادِ، وقد كانَ اخْتَلَّ في آخرِ عُمُرِهِ، وقد كانَ شُعْبَةُ لا يَطْعُنُ فيه.
* فإن قلتَ: نهى الله سبحانَه نبيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - عن الصَّلاة على المُنافقين؛ لِما فيه من الاستِغْفار لهم، فما مَعْنى المَنْعُ منَ القِيام على قُبورِهم؟
قلنا: العِلَّةُ فيها واحدةٌ، والمَنْعُ لأجلِ الاستِغْفار لهم؛ فقدْ كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقفُ على القبرِ بعدَ الدَّفْنِ، ويدعو للميِّتِ بالتَّثْبيتِ.