وبهِ قالَ عمرُ بنُ الخطابِ، وابنُ عَبّاسٍ، وابنُ مسعودٍ، وابنُ عُمَرَ، والزُّهْرِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حَنيفَةَ، والشافِعيُّ في أَحَدِ قوليه.
واستدلُّوا بما رُوي أنَّ امرأةً من اليَمَنِ أَتَتِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، ومَعَها ابْنَتُها، وفي يدِها مُسْكَتانِ غَليظَتانِ منْ ذهَبٍ، فقالَ رسولُ اللهِ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ:"أَتُؤدِّينَ زكاةَ هذا؟"فقالت: لا، فقالَ عليهِ الصَلاةُ والسلامُ:"أَيَسُرُّكِ أن يُسَوِّرَكِ اللهُ بسِوارَيْنِ منْ نارٍ؟"فخلعَتْهما، وألقتهما، وقالت: هما للهِ ولرسوله.
وقال قومٌ: لا تجبُ في الحُلِيِّ زكاةٌ؛ قياسًا على ثيابِ البَدَنِ وعَوامِلِ الإِبِلِ والبَقَرِ.
وبهِ قالَ جابِرٌ، وعائشةُ، والحَسَنُ، وابنُ المُسَيِّبِ، والشَّعْبِيُّ، ومالِكٌ، واللَّيْثُ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، واختارَهُ الشافِعِيُّ بِمِصْرَ.
* إذا تَمَّ هذا، فقد نقلَ أبو الحسنِ الواحِدِيُّ عن أكثرِ المفسرينَ: أَنَّ قولَه تَعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} [التوبة: 34] مُسْتَأْنَفٌ نازِلٌ في هذهِ الأُمَّةِ.
وعن قومٍ منهم أَنَّها فينا وفي أهلِ الكتابِ.
وخَرَّجَ البخاريُّ عن زَيْدِ بن وَهْبٍ قالَ: مَرَرْتُ على أبي ذَرٍّ بالرَّبَذَةِ، فقلت: ما أنزلكَ بهذهِ الأرض؟ قال: كُنّا بالشامِ، فقرأتُ: وَالَّذِينَ
يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة: 34] قال مُعاوِيَةُ: ما هذه فينا، ما هذه إلا في أهلِ الكِتابِ، قال: قلت: إِنَّها لَفينا وفيهم.
فإن قيل: فالكنايَةُ إلامَ ترجعُ؟
فالجوابُ: أنه يجوزُ أن ترجع إلى الكنوزِ، ويجوز أن ترجع إلى الفضة، إمّا لأنها أعَمُّ من الذهبِ، أو لأنَّها أقربُ في الذِّكْرِ كما قال الشاعرُ: [البحر الخفيف]
إنَّ شَرْخَ الشَّبابِ والشَّعَرَ الأَسْـ ... ـــــــود ما لَمْ يُعاصَ كانَ جُنونا
أو للاكتفاء بذكرِها عن ذكرِ الذهبِ؛ كقوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81] وكقول الشاعِر: [البحر المنسرح]
نَحْنُ بما عِنْدَنا وأَنْتَ بِما ... عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ
(من أحكام الجهاد)